تشتد المعركة على مستوى الروايات حول أحد أبرز الملفات الشائكة حول مدى تغلغل تنظيم الإخوان المسلمين في مؤسسات الدولة السودانية، وهو الملف الذي تقاطعه تناقضات تصريحات القادة مع وثائق داخلية.
من جهة، ينفي الفريق أول عبد الفتاح البرهان، قائد الجيش السوداني، بشدة أي وجود أو نفوذ لجماعة الإخوان داخل المؤسسة العسكرية، واصفاً الحديث عن ذلك بأنه “فزاعة كاذبة”. بينما من جهة أخرى، تؤكد لجنة تفكيك نظام الإخوان – وهي هيئة حكومية تشكلت بعد إطاحة نظام الرئيس عمر البشير – أن التنظيم لا يزال متجذراً بعمق في مفاصل الدولة، بما في ذلك الأجهزة الأمنية والعسكرية.
بحسب تصريحات الطيب عثمان يوسف، الأمين العام للجنة تفكيك نظام الإخوان، لـ “سكاي نيوز عربية”، فإن ما يُصطلح عليه “الدولة العميقة” لا يزال قائماً. ويكشف يوسف عن مفارقة كبيرة تتمثل في عودة 98% من الموظفين الذين تم فصلهم سابقاً بسبب انتمائهم للتنظيم إلى وظائفهم في الدولة، مما يشير – وفقاً له – إلى أن السيطرة الفعلية للإخوان على الجهاز الحكومي والخدمة المدنية “تفوق ما يتم تداوله رسمياً”.
لا يتوقف نفوذ التنظيم، حسب وثائق اللجنة، عند الحدود الإدارية، بل يمتد ليشكل شبكة مصالح اقتصادية معقدة. تؤكد المعلومات التي جمعتها اللجان وجود شبكة تضم تجاراً ومستوردين وشركات تعمل في مناطق متنوعة من العالم مثل الخليج وأوروبا والولايات المتحدة وعدة دول آسيوية وأفريقية، مما يخلق بنية تحتية مالية تدعم وجود التنظيم.
يشكل الجيش السوداني محور الخلاف الرئيسي. في الوقت الذي يبرئ فيه البرهان المؤسسة العسكرية، يقدم ناشطون ومراقبون أدلة مرئية تظهر جنوداً يرددون شعارات جهادية إخوانية. كما أعيد تداول مقاطع قديمة يظهر فيها أمين حسن عمر، القيادي البارز في تنظيم الإخوان السوداني، مؤكداً أن البرهان نفسه شغل منصب رئيس المؤتمر الوطني (الجناح السياسي للتنظيم) في إحدى مناطق غرب السودان خلال فترة خدمته العسكرية.
ويستند مراقبون عسكريون إلى تحليل التركيبة البشرية للجيش، مشيرين إلى أن غالبية دفعات الكلية الحربية التي تم استيعابها بعد انقلاب 1989 التي أوصلت البشير إلى السلطة، كانت تضم عناصر مرتبطة بالتنظيم، وأن الكثير من خريجي تلك الفترة يشغلون حالياً مناصب قيادية في وحدات الجيش المختلفة.
في مواجهة نفي القيادة العسكرية، تؤكد لجنة التفكيك أنها تمتلك أرشيفاً ضخماً من المعلومات وملفات الفساد التي توثق – على مدار أكثر من 30 عاماً – آليات تمكين التنظيم ومصالحه الاقتصادية المتشابكة مع مؤسسات الدولة. ويعلن الطيب عثمان يوسف استعداد اللجنة للتعاون مع أي جهة محلية أو دولية “لكشف الحقائق” وتقديم البيانات التي “قادرة على كشف الجناة”.
هذا الصراع على الرواية يحدث في سياق معقد، حيث تدور رحى حرب أهلية طاحنة، وتتصاعد الدعوات الدولية، خاصة من الولايات المتحدة، لتصنيف تنظيم الإخوان السوداني كجماعة إرهابية. مما يضع ملف “تفكيك النظام” القديم في قلب التحديات السياسية والأمنية الراهنة، ويرفع التساؤل عن مدى قدرة أي طرف على حسم هذه المعركة الخفية وسط أتون الحرب المشتعلة، وعن الثمن الذي سيدفعه السودان لتصفية هذا الإرث المؤسسي الثقيل.

التعليقات مغلقة.