أول جريدة إلكترونية مغربية تتجدد على مدار الساعة

الصحة والأمن القومي بالمغرب: دروس الجائحة ورهانات المستقبل

"جريدة أصوات"

لم يعد مفهوم الأمن القومي في العالم المعاصر محصورا في الحدود العسكرية أو التوازنات الاقتصادية، بل أصبح يشمل بشكل متزايد قدرة الدول على حماية صحة مواطنيها وضمان استمرارية منظوماتها الصحية في مواجهة الأزمات.

 

وقد شكلت جائحة كوفيد-19 نقطة تحول مفصلية في هذا الاتجاه، حيث كشفت هشاشة العديد من الأنظمة الصحية، وفي المقابل أبرزت أهمية الاستثمار في هذا القطاع كخيار استراتيجي لا غنى عنه.

في المغرب، برز هذا الوعي بشكل واضح من خلال طريقة تدبير الجائحة، التي تمت وفق مقاربة شمولية لم تقتصر على الجانب الصحي فقط، بل امتدت لتشمل الأبعاد الاجتماعية والاقتصادية والأمنية. وتحت توجيهات محمد السادس، تم التعامل مع الأزمة باعتبارها حالة طوارئ وطنية، استدعت تعبئة مختلف مؤسسات الدولة في تنسيق غير مسبوق.

وقد لعبت القوات المسلحة الملكية دورا بارزا في هذا السياق، من خلال إنشاء مستشفيات ميدانية، وتقديم الدعم اللوجستي، والمساهمة في عمليات التدبير الميداني للأزمة، وهو ما عكس تحولاً في طبيعة الأدوار التي تضطلع بها المؤسسات الأمنية والعسكرية، لتشمل مجالات غير تقليدية، على رأسها الأمن الصحي.

ومن جهة أخرى، كشفت الجائحة عن أهمية تحقيق السيادة الصحية، خاصة في ظل التنافس العالمي على الموارد الطبية واللقاحات.

وهو ما دفع المغرب إلى تعزيز توجهه نحو تطوير الصناعات الصحية المحلية، بهدف تقليص التبعية للأسواق الخارجية وضمان قدرة ذاتية على مواجهة الأزمات المستقبلية.

ولم تقتصر الاستجابة على الجوانب الصحية والمؤسساتية، بل شملت أيضا تدابير اجتماعية مهمة، حيث تم دعم الأسر المتضررة من تداعيات الإغلاق، ما ساهم في الحفاظ على التوازن الاجتماعي وتفادي تفاقم الأوضاع الاقتصادية.

وقد أبرزت هذه الإجراءات الترابط الوثيق بين الصحة والاستقرار الاجتماعي، باعتبار أن أي خلل في أحدهما ينعكس مباشرة على الآخر.

ويرى عدد من الخبراء أن إدماج الصحة ضمن منظومة الأمن القومي يعكس تطورا في التفكير الاستراتيجي، حيث أصبحت التهديدات غير التقليدية، مثل الأوبئة، تشكل خطراً حقيقيا على استقرار الدول.

وفي هذا الإطار، يبرز التنسيق بين القطاع الصحي والمؤسسات الأخرى، بما فيها العسكرية، كعامل حاسم في تعزيز الجاهزية وسرعة الاستجابة.

غير أن هذا التوجه يطرح في المقابل تحديات حقيقية، من أبرزها ضرورة تحسين جودة الخدمات الصحية، وتقليص الفوارق المجالية بين المدن والقرى، وضمان ولوج عادل إلى العلاج. كما يفرض تعزيز الحكامة والرفع من كفاءة التدبير، بما يضمن استدامة الإصلاحات وتحقيق نتائج ملموسة على أرض الواقع.

في المحصلة، أبانت التجربة المغربية عن وعي متزايد بأهمية الصحة كركيزة من ركائز الأمن القومي، غير أن ترسيخ هذا التوجه يظل رهينا بمواصلة الإصلاحات وتعزيز الاستثمار في الموارد البشرية والبنيات التحتية، بما يضمن بناء منظومة صحية قوية وقادرة على مواجهة تحديات الحاضر والمستقبل.

التعليقات مغلقة.