أصوات من الرباط
في مشهد وطني يعكس التطلعات نحو مستقبل مزدهر، احتفلت مدينة العيون، قلب الصحراء المغربية النابض، بعيد العرش المجيد هذا العام بحلة بيئية ترمز إلى التحول والتجديد. هذه الاحتفالات لم تقتصر على الطقوس التقليدية، بل تحولت إلى منصة لإطلاق مشاريع طموحة تهدف إلى إعادة تشكيل النسيج الحضري للمدينة، وذلك بفضل جهود المسؤولين المحليين والإقليميين الذين يسعون جاهدين للارتقاء بالمنطقة إلى مستوى التحديات الوطنية الكبرى.
المشاريع الخضراء التي بدأت تظهر في قلب العيون، تعكس إرادة رسمية واعية بأهمية تحسين جودة الفضاء العام في المدن الصحراوية التي تواجه ظروفًا مناخية قاسية. هذه المبادرات تثبت قدرة المنطقة على تجاوز التحديات بفضل الرؤية الملكية السديدة والاستثمارات الحكومية الكبيرة.
لا تقتصر هذه الدينامية على العيون وحدها، بل تشمل مدن الجنوب الأخرى مثل السمارة وطرفاية وبوجدور والداخلة، التي تسعى إلى بناء فضاءات حضرية متطورة رغم قساوة الطبيعة. هذه المدن تشهد تطورًا عمرانيًا متسارعًا يجعلها نموذجًا حضريًا بيئيًا يُحتذى به، يجمع بين الحفاظ على البيئة وتوفير شروط العيش الكريم.
ومع ذلك، يظل الرهان الأكبر هو تأهيل الإنسان، خاصة في قطاع التشغيل الذي يمثل تحديًا حقيقيًا في هذه المناطق. فرغم التوسع العمراني والتجهيزات الحديثة، تبقى نسب البطالة بين الشباب والخريجين مقلقة، بسبب عجز سوق الشغل عن استيعابهم، وعدم قدرة الجهات الجنوبية على مجاراة دينامية الاستثمار التي تعرفها مناطق الشمال.
تُظهر أحدث بيانات المندوبية السامية للتخطيط لسنة 2024 تباينًا كبيرًا في نسب البطالة بين الجهات الجنوبية، حيث سجلت جهة العيون الساقية الحمراء حوالي 26.6%، وارتفعت في جهة كلميم واد نون إلى 31.5%، بينما سجلت جهة الداخلة وادي الذهب معدلًا أقل بلغ 10.6%. هذا التباين يعكس تحديات بنيوية في سوق الشغل بالأقاليم الجنوبية، ويدفع نحو ضرورة تعزيز الاستثمار المحلي وتحسين آليات الإدماج المهني.
عيد العرش هذا العام يمثل محطة بارزة لتجديد البيعة والولاء، وفرصة لتجسيد التحول التنموي الذي تعرفه الأقاليم الجنوبية. شهدت مدينة العيون تدشينات نوعية، من بينها مشروع الجسر على واد الساقية الحمراء، الذي يُعد من أكبر المنشآت الطرقية في المملكة. وفي الداخلة، يتواصل العمل على ميناء الداخلة الأطلسي، الذي يُرتقب أن يُصبح أحد أهم الموانئ الإفريقية. أما كلميم والسمارة وبوجدور، فتشهد مشاريع بيئية وصحية وتعليمية تعزز مكانة هذه الجهات كبوابة اقتصادية واستراتيجية للمملكة.
هذا الزخم التنموي يترجم التوجيهات الملكية السامية ويُبرز إرادة الدولة في جعل الأقاليم الجنوبية قطبًا استثماريًا ومجالًا حيويًا للتنمية المستدامة. ومع ذلك، يجب أن ندرك أن بناء المدن لا يكتمل دون بناء الإنسان، وأن المساحات الخضراء لا تُعطي المعنى الكامل إلا إذا وُظفت في خدمة رفاه المواطن، الذي يكتمل بإيجاد فرصة عمل تضمن استقرار المجتمع ومستقبل الوطن.

التعليقات مغلقة.