منذ ملحمة مونديال قطر 2022، لم يعد المنتخب الوطني المغربي مجرد فريق يبحث عن مشاركة مشرفة، بل تحول إلى مشروع كروي يحظى بالاحترام عالمياً. هذا التحول لم يكن وليد الصدفة، بل ارتبط باسم وليد الركراكي، الناخب الوطني الذي قاد “أسود الأطلس” إلى إنجازات غير مسبوقة، قبل أن يجد نفسه اليوم في مواجهة موجة انتقادات حادة، يتداخل فيها المشروع مع العاطفة، والنقد مع التهويل.
بالاحتكام إلى لغة الأرقام والوقائع، يظل الركراكي أول مدرب مغربي وإفريقي يبلغ نصف نهائي كأس العالم، وأول من قاد المنتخب إلى نهائي كأس أمم إفريقيا منذ أكثر من عقدين، إضافة إلى تحقيق انتصارات تاريخية على منتخبات من الصف الأول عالمياً. هذه المعطيات وحدها كافية لتأكيد أن ما تحقق لم يكن إنجازاً عابراً، بل ثمرة رؤية وتدبير محكم لمجموعة كانت تعاني نفسياً وتكتيكياً قبل قدومه.
غير أن الاعتراف بالإنجاز لا يعني تجاهل الاختلالات. مرحلة ما بعد المونديال أظهرت تباطؤاً في التطور التقني، وغياباً واضحاً لبعض الحلول الهجومية، إلى جانب الاعتماد المفرط على أسماء بعينها، رغم تراجع جاهزية بعضها. كما أن تأخر إدماج عناصر جديدة بشكل أوسع خلق انطباعاً لدى المتابعين بأن المنتخب دخل مرحلة من الجمود النسبي، وهو انطباع له ما يبرره من الناحية التقنية.
ومع ذلك، فإن تحويل هذه الملاحظات إلى دعوات متسرعة لإقالة المدرب، خاصة في هذا التوقيت الحساس، يطرح أكثر من علامة استفهام. فالمشاريع الكبرى في كرة القدم لا تُقاس فقط بعدد الألقاب، بل بمدى الاستقرار، والقدرة على المنافسة، وبناء هوية واضحة داخل الملعب، وهي عناصر نجح الركراكي في ترسيخ جزء كبير منها.
لا يمكن إنكار أن البعد العاطفي كان حاضراً بقوة في تدبير الركراكي للمجموعة، سواء في اختياراته أو في خطابه، وهو ما شكل في بعض الأحيان نقطة قوة، وفي أحيان أخرى نقطة ضعف. غير أن تصحيح هذا المسار يمر عبر تعزيز الطاقم التقني وتطوير آليات التنافس داخل المجموعة، وليس عبر نسف المشروع بالكامل.
المنتخب المغربي اليوم لم يعد ذلك الفريق الذي يدخل البطولات مهيأً للإقصاء المبكر، بل أصبح رقماً صعباً في المعادلة الدولية، قليل الهزائم، وصاحب شخصية تنافسية واضحة. هذه المكاسب، مهما بدت غير مكتملة، تظل أساساً يجب البناء عليه لا التفريط فيه، خصوصاً مع اقتراب استحقاقات كبرى تتطلب الهدوء والاستمرارية.
أما الانتقادات، فهي حق مشروع للجماهير والإعلام، خاصة في ظل ما راج عن كواليس كأس أمم إفريقيا الأخيرة، والتي أظهرت أن ما حدث داخل البطولة كان أعقد مما بدا على السطح. غير أن اختزال كل الإخفاقات في شخص المدرب وحده يظل قراءة مبسطة لمشهد أكثر تعقيداً.
خلاصة القول، وليد الركراكي ليس مدرباً بلا أخطاء، لكنه في المقابل ليس عبئاً على طموحات المنتخب الوطني. هو مدرب صنع تاريخاً غير مسبوق، ويقود جيلاً موهوباً يحتاج إلى تطوير وتحديث، لا إلى هدم واستبدال في لحظة مفصلية. ففي كرة القدم، كما في التاريخ، الإنجاز لا يُلغيه التعثر، بل يُقاس بما قبله وما يُبنى بعده.

التعليقات مغلقة.