أول جريدة إلكترونية مغربية تتجدد على مدار الساعة

تدشين مقر جديد للمحاكم الإدارية لتعزيز النجاعة القضائية

جريدة أصوات

يشكل تحديث البنيات التحتية القضائية أحد المداخل الأساسية لتطوير أداء منظومة العدالة بالمغرب، في ظل التوجه نحو تحسين ظروف اشتغال المحاكم، وتيسير ولوج المواطنين إلى الخدمات القضائية، وتعزيز النجاعة في تدبير الملفات والمنازعات.
وفي هذا السياق، يتضمن برنامج الأنشطة المقرر يوم الأربعاء 28 أكتوبر 2026 مراسم تدشين المقر الجديد لمحكمة الاستئناف الإدارية والمحكمة الابتدائية الإدارية، برئاسة وزير العدل، في خطوة تندرج ضمن الاهتمام بتطوير البنيات المؤسساتية للقضاء الإداري وتحسين ظروف تقديم الخدمات للمتقاضين.
ويكتسي هذا المشروع أهمية بالنظر إلى الدور الذي يؤديه القضاء الإداري في مراقبة مشروعية القرارات الإدارية، والبت في المنازعات التي تدخل ضمن اختصاصه، بما يعزز مبدأ خضوع الإدارة للقانون ويسهم في حماية الحقوق والمصالح التي يشملها النظام القانوني.
تحديث المحاكم رافعة لتطوير المرفق القضائي
أصبحت جودة البنيات التحتية للمحاكم عاملاً مؤثراً في تحسين ظروف العمل القضائي والإداري، بالنظر إلى ارتباطها بتنظيم الفضاءات المخصصة للجلسات، واستقبال المتقاضين، وتدبير الملفات، وتوفير ظروف مناسبة لاشتغال القضاة والموظفين.
ويتيح توفير مقرات ملائمة إمكانية تحسين تنظيم المصالح القضائية والإدارية، وتيسير حركة المرتفقين داخل المحاكم، وتوفير فضاءات تستجيب لمتطلبات العمل اليومي، مع مراعاة حاجيات الأشخاص في وضعية إعاقة والفئات التي تواجه صعوبات في الولوج إلى الخدمات.
كما أن تحديث المرافق القضائية يندرج ضمن مقاربة أوسع لتطوير الإدارة القضائية، لا تقتصر على تشييد المباني وتجهيزها، بل تشمل أيضاً تحسين أساليب التدبير، وتطوير الخدمات الرقمية، وتعزيز التنسيق بين مختلف المصالح.
غير أن الأثر الفعلي لهذه المشاريع يظل مرتبطاً بمدى توفير الموارد البشرية والتجهيزات الضرورية، واعتماد تنظيم فعال يضمن الاستفادة من الإمكانات المتاحة وتحسين جودة الخدمات المقدمة للمتقاضين.
القضاء الإداري وضمان مبدأ المشروعية
يحتل القضاء الإداري موقعاً أساسياً في منظومة العدالة، بالنظر إلى اختصاصاته المرتبطة بالنظر في المنازعات الإدارية وفق القواعد القانونية المنظمة له.
وتبرز أهمية هذا القضاء في دوره في مراقبة مشروعية القرارات والتصرفات الإدارية التي تدخل ضمن اختصاص المحاكم الإدارية، والبت في الطعون والنزاعات وفق الإجراءات والضمانات التي يحددها القانون.
ويشكل هذا الدور إحدى الضمانات المؤسساتية لترسيخ مبدأ المشروعية، الذي يقتضي خضوع الإدارة للقواعد القانونية المنظمة لاختصاصاتها وتصرفاتها، مع تمكين الأطراف المعنية من اللجوء إلى القضاء في الحالات التي يسمح بها القانون.
كما يسهم القضاء الإداري في تعزيز الأمن القانوني، من خلال تطبيق القواعد القانونية على المنازعات المعروضة عليه، وتوضيح الالتزامات والحقوق في حدود الاختصاصات المخولة له.
وتتطلب ممارسة هذه الوظائف توفير شروط عمل ملائمة، تضمن استقلالية العمل القضائي، واحترام حقوق الدفاع، وتمكين المتقاضين من الولوج إلى المساطر القضائية وفق الضوابط القانونية المعمول بها.
المقر الجديد وانتظارات المتقاضين
يمثل توفير مقر قضائي حديث فرصة لتحسين تجربة المرتفقين، خصوصاً عندما يتعلق الأمر بتنظيم الاستقبال، وتيسير الحصول على المعلومات، وتوضيح مسارات الإجراءات داخل المحكمة.
ويواجه المتقاضون في بعض الحالات صعوبات مرتبطة بتعدد الإجراءات، أو عدم وضوح المعلومات، أو طول المدة اللازمة للحصول على بعض الخدمات الإدارية. ومن ثم، فإن تطوير الفضاءات القضائية ينبغي أن يواكبه تحسين التواصل وتبسيط الإجراءات في الحدود التي يسمح بها القانون.
كما تبرز أهمية توفير فضاءات واضحة للاستقبال والإرشاد، وتنظيم المواعيد والجلسات، وتحسين ظروف الانتظار، مع مراعاة احتياجات كبار السن والأشخاص في وضعية إعاقة.
ويظل الهدف الأساسي هو جعل المرفق القضائي أكثر قدرة على الاستجابة لحاجيات المواطنين، من خلال الجمع بين جودة البنية التحتية وفعالية التدبير واحترام الحقوق القانونية للمتقاضين.
الرقمنة وتحديث الخدمات القضائية
لم يعد تحديث المحاكم مرتبطاً بالبنيات المادية وحدها، بل أصبح يشمل تطوير الأنظمة الرقمية التي تساعد على تدبير الملفات والإجراءات وتحسين الوصول إلى المعلومات.
ويمكن لتوظيف التكنولوجيا في الإدارة القضائية أن يساهم في تقليص بعض الإجراءات الإدارية، وتيسير تتبع الملفات، وتحسين تنظيم العمل، شريطة توفير الأنظمة الملائمة وتكوين الموظفين وضمان أمن المعلومات.
كما أن الرقمنة تقتضي مراعاة حماية المعطيات الشخصية والقضائية، وضمان موثوقية الأنظمة المعلوماتية، وتوفير بدائل مناسبة للأشخاص الذين يواجهون صعوبات في استخدام الوسائل الرقمية.
ويظل نجاح هذا التحول مرتبطاً بمدى تكامل التكنولوجيا مع التنظيم الإداري، وقدرتها على تحسين جودة الخدمات بصورة ملموسة، دون المساس بالضمانات القانونية أو بحقوق الدفاع.
الموارد البشرية أساس النجاعة القضائية
تظل الموارد البشرية من العناصر الحاسمة في نجاح أي مشروع لتحديث المحاكم، إذ لا يمكن للبنيات الجديدة وحدها أن تضمن تحسين الأداء ما لم تواكبها كفاءات مؤهلة وتنظيم فعال للعمل.
ويقتضي ذلك توفير الظروف المناسبة لاشتغال القضاة والموظفين، وتعزيز التكوين المستمر، وتطوير المهارات المرتبطة بالتدبير الإداري واستعمال الأنظمة الرقمية، إلى جانب تحسين التنسيق بين المصالح.
كما أن تطوير الأداء القضائي يتطلب اعتماد آليات لتقييم سير العمل، وتحديد الصعوبات التي تؤثر في معالجة الملفات، ووضع التدابير المناسبة لتحسين التنظيم واحترام الآجال القانونية.
ومن شأن الجمع بين البنية التحتية الملائمة والموارد البشرية المؤهلة والتدبير الحديث أن يعزز قدرة المحاكم على أداء مهامها، ويحسن جودة الخدمات المقدمة للمتقاضين.
التدشين وحده لا يكفي لقياس نجاح الإصلاح
يشكل تدشين المقرات القضائية خطوة مهمة في مسار تحديث البنيات المؤسساتية، غير أن تقييم أثرها يتطلب النظر إلى النتائج التي تحققها على مستوى الأداء اليومي للمحاكم.
وتشمل هذه النتائج مدى تحسن ظروف الاستقبال، وسهولة الولوج إلى الخدمات، وجودة تدبير الملفات، وتوفر الموارد البشرية والتجهيزات، ومدى قدرة المرفق القضائي على الاستجابة لحاجيات المتقاضين.
كما تبرز أهمية تتبع المشاريع بعد دخولها حيز الاستعمال، لتحديد جوانب القوة والاختلال، واتخاذ الإجراءات اللازمة لضمان استمرارية الخدمات ونجاعتها.
وفي هذا الإطار، فإن القيمة العملية للمقر الجديد لمحكمة الاستئناف الإدارية والمحكمة الابتدائية الإدارية ستتحدد بمدى مساهمته في تحسين ظروف العمل القضائي والإداري، وتطوير جودة الخدمات، وتيسير الولوج إلى العدالة الإدارية.
خلاصة
تندرج مراسم تدشين المقر الجديد لمحكمة الاستئناف الإدارية والمحكمة الابتدائية الإدارية، الواردة ضمن برنامج يوم الأربعاء 28 أكتوبر 2026، في سياق الاهتمام بتحديث البنيات القضائية وتعزيز قدرات المرفق القضائي على أداء مهامه.
ويبقى الرهان الأساسي هو تحويل الاستثمار في البنيات التحتية إلى نتائج ملموسة يستفيد منها المواطن، من خلال تحسين الاستقبال، وتطوير التدبير، وتوفير الموارد اللازمة، وتعزيز جودة الخدمات القضائية.
فإصلاح العدالة لا يتحقق بتحديث المباني وحده، بل يحتاج إلى منظومة متكاملة تجمع بين البنية التحتية الملائمة، والكفاءة المهنية، والرقمنة، واحترام القانون، بما يرسخ الثقة في المؤسسات ويعزز حماية الحقوق.

التعليقات مغلقة.