في حدث اعتبره مراقبون انتصاراً دبلوماسياً نادراً في جنوب شرق آسيا، وقعت كمبوديا وتايلندا، الاثنين، “اتفاق كوالالمبور للسلام” برعاية الرئيس الأميركي دونالد ترمب، لينهي البلدان نزاعاً حدودياً دام لعقود وأودى بحياة العشرات، معظمهم من المدنيين.
وجرى التوقيع في العاصمة الماليزية كوالالمبور، بحضور رئيس الوزراء الماليزي أنور إبراهيم، على هامش قمة رابطة دول جنوب شرق آسيا (آسيان)، وذلك بعد أسابيع من وساطة أميركية مكثفة قادها ترمب شخصياً لإقناع الجانبين بوقف القتال وسحب القوات من المناطق الحدودية المتنازع عليها.
وبموجب المرحلة الأولى من الاتفاق، ستفرج تايلندا عن الأسرى الكمبوديين، فيما تبدأ كمبوديا بسحب المدفعية الثقيلة من مواقع التوتر. كما ينص الاتفاق على نشر مراقبين إقليميين للإشراف على التنفيذ وضمان عدم تجدد المواجهات.
وصف رئيس الوزراء الكمبودي هون مانيت التوقيع بأنه “يوم تاريخي ينهي سنوات من الدماء والدموع”، بينما أكد نظيره التايلندي أنوتين تشارنفيراكول أن الاتفاق يشكل “الأساس لبناء سلام دائم وتنمية مشتركة على الحدود”.
وفي كلمته خلال الحفل، قال الرئيس الأميركي دونالد ترمب إن الاتفاق يمثل “إنجازاً عظيماً”، مضيفاً:
“أنجزنا شيئاً قال كثيرون إنه مستحيل، هذه الخطوة ستنقذ ملايين الأرواح، لقد أوقفنا ثماني حروب في ثمانية أشهر.”
وأشار ترمب إلى أن الهدنة التي رعتها واشنطن قبل ثلاثة أشهر كانت الأساس الذي بُني عليه هذا الاتفاق، مشيداً بـ”الروح الإيجابية” التي أظهرها قادة البلدين، مضيفاً بابتسامة: “من النادر أن أرى زعيمين يكنّ كل واحد منهما الود للآخر، هذه سابقة جميلة في عالم السياسة”.
ويعود النزاع الحدودي بين كمبوديا وتايلندا إلى أكثر من قرن، حين رسمت فرنسا، القوة الاستعمارية السابقة لكمبوديا، الحدود المشتركة بطول 817 كيلومتراً، مما جعلها بؤرة توتر قابلة للاشتعال مراراً خلال العقود الماضية. وقد شهدت الحدود خلال الأشهر الأخيرة أعنف مواجهات منذ أكثر من عقد، استخدمت فيها تايلندا مقاتلات F-16 لقصف مواقع كمبودية، بينما ردت كمبوديا بقذائف مدفعية وصواريخ قصيرة المدى داخل الأراضي التايلندية.
وبينما دعمت الولايات المتحدة تايلندا باعتبارها حليفاً دفاعياً رسمياً، كانت الصين الراعي العسكري الأول لكمبوديا، ما جعل النزاع يتخذ بعداً إقليمياً حساساً في ظل التنافس الأميركي الصيني المتصاعد.
ويعتبر اتفاق كوالالمبور خطوة غير مسبوقة لإعادة التوازن إلى منطقة جنوب شرق آسيا، إذ يجمع للمرة الأولى واشنطن وبكين على دعم وقف النار بين دولتين حليفتين لهما. ويرى محللون أن هذا الاتفاق قد يشكل نموذجاً لسياسة “السلام عبر النفوذ الاقتصادي” التي يعتمدها ترمب في ولايته الحالية، والتي سبق أن استخدمها في الشرق الأوسط وغزة.
وفي ختام مراسم التوقيع، أعلن رئيس الوزراء الكمبودي ترشيح ترمب لجائزة نوبل للسلام تقديراً لدوره في إنهاء الحرب، في خطوة أثارت جدلاً واسعاً في الأوساط الدبلوماسية.
وقال ترمب في ختام كلمته:
“أنا واثق أن هذا السلام سيستمر. لقد فعلنا الأمر ذاته في غزة، والآن نفعله هنا في آسيا. نحن نصنع السلام الحقيقي، لا الشعارات.”
بهذا التوقيع، تُطوى صفحة نزاع حدودي طويل بين البلدين، في وقت تأمل فيه المنطقة أن تتحول كوالالمبور إلى منصة جديدة لصناعة السلام الآسيوي برعاية أميركية.

التعليقات مغلقة.