أول جريدة إلكترونية مغربية تتجدد على مدار الساعة

حين يسقط الصحفي… تقف الحقيقة شامخة

صلاح الطاهري

هناك لحظات في التاريخ لا تُقاس بالوقت، بل بوزن الدم الذي سُفك من أجل كلمة حرة، وبوهج الصورة التي وُلدت في قلب الجحيم. في كل حرب، وفي كل ساحة ظلم، يولد أناس نادرون يقررون أن يواجهوا الرصاص بعدساتهم، وأن يقتحموا صمت الخوف بأصواتهم. هؤلاء لا يسيرون إلى الموت عبثاً، بل يذهبون ليكتبوا في ذاكرة العالم سطوراً لا تُمحى.
ومن بين هؤلاء، جاء أنس الشريف، الصحفي الذي لم يعرف للحياد المزيّف طريقاً، ولا للانسحاب مكاناً. خرج إلى الميدان وهو يدرك أن الحقيقة، حين تُروى بصدق، قد تكلّف صاحبها حياته لكنه آمن أن الصمت جريمة أكبر من الرصاصة.
في زمنٍ تتداخل فيه الحقائق بالأكاذيب، وتضيع فيه الأصوات وسط ضجيج المدافع، يخرج البعض من دائرة الخوف إلى رحابة الواجب، فيختارون أن يكونوا شهوداً على ما يجري، لا مجرد متفرجين. من بين هؤلاء، كان أنس الشريف — ذاك الوجه المضيء الذي حمل كاميرته كما يحمل المقاتل سلاحه، وسار إلى قلب الخطر لا ليبحث عن مجد شخصي، بل عن لقطة تنطق بما تعجز عنه الكلمات.
لم يكن أنس مجرّد صحفي، كان عيناً مفتوحة على الحقيقة، وضميراً يرفض أن يُشترى أو يُخرس. في لحظة استشهاده، لم تسقط كاميرته وحدها، بل سقط معها جزء من أملنا في أن يظل الصحفيون درعاً أخيراً أمام طغيان الزيف. ومع ذلك، فإن ما زرعه في قلوبنا من عزيمة وإصرار لن يسقط أبداً.
إن مقتل أنس الشريف يذكّرنا بأن الصحافة ليست مهنة فحسب، بل معركة يومية ضد النسيان، ضد تزييف الوعي، وضد محو الذاكرة الجماعية. كم من أنس آخر في فلسطين، في اليمن، في أوكرانيا، في سوريا، وفي كل مكان، دفع حياته ثمناً لصورة أو تقرير أو كلمة قد توقظ ضمير العالم ولو للحظة؟ هؤلاء ليسوا أرقاماً في نشرات الأخبار، إنهم أرواح مشعّة، حملت أمانة الحقيقة حتى الرمق الأخير.
قد يظن القتلة أن إسكات الصحفيين يدفن الحكاية، لكن التاريخ عنيد، والكاميرات التي تحطمت ستخلفها أخرى، والأقلام التي انكسرت ستنهض من جديد بأيدٍ لا تعرف الاستسلام. فكل رصاصة تُطلق على صحفي، هي شهادة ميلاد جديدة لحقائق لن تموت.
إن دم أنس الشريف وكل شهداء الصحافة في العالم، هو وصية لنا جميعاً: أن نروي، أن نشهد، أن نكتب، وأن نؤمن أن الحقيقة، مهما كانت مُحاصَرة، قادرة على عبور الجدران والأسلاك والحدود. فسلامٌ على أنس، وسلامٌ على كل من جعل من الكلمة جداراً يحمي المظلوم، ومن الصورة ضوءاً يفضح الظلام.

التعليقات مغلقة.