الحسيمة – مع قدوم شهر رمضان، لم تعد الشاشة الصغيرة في بيوت منطقة الريف مجرد وسيلة للترفيه العابر، بل تحولت إلى منصة للمساءلة الهوية واللغوية. فالمسلسلات الناطقة بالريفية، وعلى رأسها مسلسل “أفادار” (Afadar) الذي حظي بمتابعة واسعة، أعادت النقاش في الأوساط الثقافية والإعلامية بمدينة الحسيمة ونواحيها حول قدرة هذه الأعمال على حماية لغة تاريفيت من الاندثار، أم أنها مجرد تقديم “فولكلور” بصري يفتقر إلى العمق اللغوي.
يرى مؤيدو الدراما الريفية أن مجرد حضور اللغة الأمازيغية في الفضاء السمعي البصري يمثل انتصارًا معنوياً. لم تعد هذه المسلسلات تكتفي بسرد تفاصيل الحياة اليومية، بل بدأت في تأسيس “سردية محلية” قادرة على المنافسة مع الإنتاجات المركزية. من خلال إبراز الخصوصية، نجحت أعمال مثل “أفادار” في معالجة قضايا اجتماعية عميقة في قلب الريف، ما منح المشاهد شعوراً بالانتماء والاعتزاز بلغته. كما ساهمت هذه الإنتاجات في كسر الصورة النمطية عن الشخصية الريفية، مقدمة أبعادًا إنسانية ودرامية مركبة بعيدًا عن الكليشيهات الجاهزة.
مع ذلك، يرفع باحثون ومهتمون بالشأن الثقافي في الحسيمة “البطاقة الصفراء” للسيناريستين والممثلين، لافتين إلى “الفقر المعجمي” والاعتماد المفرط على مفردات دخيلة أو صياغات هجينة بين الريفية والعربية والفرنسية. يقول أحد المتخصصين في اللسانيات الأمازيغية:
“استسهال الحوار بالكلمات الدخيلة يفرغ العمل الدرامي من وظيفته التعليمية والتوثيقية، ويبعده عن جذور ‘تاريفيت’ التي يتقنها كبار السن في القرى والجبال.”
خارطة طريق لتطوير الدراما الأمازيغية
يتفق المهتمون على أن تعزيز الدراما الأمازيغية بالريف يحتاج إلى استراتيجية متكاملة تتجاوز مجرد ملء الشبكة البرامجية، وتشمل التدقيق اللغويو اعتماد مستشارين لغويين وباحثين أكاديميين لتقويم المصطلحات.
أداء الممثلين: إخضاعهم لدورات في النطق السليم ومخارج الأصوات الصحيحة للغة.
عمق السيناريو: الانتقال من حكايات بسيطة إلى أعمال تعالج التاريخ والتراث اللامادي العميق للمنطقة.
الرهان الحقيقي لا يكمن فقط في إنتاج مسلسلات ناطقة بالريفية، بل في إنتاج أعمال “حاملة” لروح اللغة. استعادة المصطلحات الأصيلة وتوظيفها بشكل منهجي داخل الدراما يمكن أن يغني المعجم اليومي للأجيال الصاعدة ويعزز الوعي الجماعي بأهمية اللغة كوعاء للهوية، وليس مجرد أداة للتواصل البسيط.
تظل مسلسلات الريف “بقعة ضوء” في المشهد الإعلامي الوطني، لكنها مطالبة بالارتقاء من مستوى “المساهمة الجزئية” إلى مستوى “المشروع الثقافي المتكامل” لضمان استدامة لغة تاريفيت وحمايتها من الاندثار.

التعليقات مغلقة.