حذرت منظمات طبية دولية من تسارع انتشار الأوبئة في قطاع غزة بشكل خارج عن السيطرة، وسط تحذيرات من تفشي أمراض خطيرة مثل الكوليرا وشلل الأطفال، وذلك في ظل منع سلطات الاحتلال الإسرائيلي إدخال الأدوية والمستلزمات الطبية، وتفاقم الظروف الإنسانية مع حلول فصل الشتاء القاسي الذي بات يفتك بالمدنيين في خيام مهترئة، ويضرب منظومة صحية انهارت بالكامل.
تحديات كارثية: قال مدير جمعية الإغاثة الطبية في قطاع غزة بسام زقوت إن معدل هجوم الأمراض يبلغ نحو 30%، مشيراً إلى تسجيل ما يقارب 70 ألف حالة تفشٍ لالتهاب الكبد الوبائي، وسط مخاطر حقيقية من انتشار الكوليرا وشلل الأطفال.
نقص حاد: أكد زقوت أن النقص الحاد في الإمكانات الطبية يحول دون مكافحة الأوبئة الآخذة في التوسع. ودعا بشكل عاجل إلى استبدال أكثر من 400 ألف خيمة في القطاع بسبب تهالكها وعدم صلاحيتها لمواجهة الشتاء، موضحاً أن الوضع في المخيمات “مأساوي”.
توقعات خطيرة: أفادت منظمة أطباء بلا حدود بأن فرقها العاملة في غزة سجلت معدلات مرتفعة للإصابة بالتهابات الجهاز التنفسي، متوقعة أن تزداد الحالات طوال فصل الشتاء. ودعت المنظمة السلطات الإسرائيلية إلى السماح فوراً بتكثيف إدخال المساعدات إلى غزة على نطاق واسع.
أوضحت منظمة الصحة العالمية أن الأمطار والأحوال الجوية المتقلبة ساهمت في انتشار الكثير من الأمراض المعدية، خاصة في ظل إقامة آلاف العائلات في خيام لا توفر الحماية من البرد. ولفتت إلى صعوبات كبيرة تواجهها في إدخال مستلزمات طبية أساسية، لأن الاحتلال يمنع إدخالها بحجة “الاستخدام المزدوج”.
المنظومة الصحية: أشارت المديرة الإقليمية لمنظمة الصحة العالمية، حنان بلخي، إلى أن انتشار الأوبئة بات “خارجاً عن السيطرة”، مؤكدة أن القطاع الصحي في غزة تم تفكيكه بالكامل. ولا تعمل بشكل كامل سوى 13 مستشفى فقط من أصل 36 في مختلف مناطق القطاع، وتفتقر المراكز العاملة للطواقم الطبية الكافية.
وفيات مترقبة: كشفت المنظمة الدولية عن أن أكثر من ألف مريض توفوا وهم ينتظرون الإجلاء الطبي من قطاع غزة منذ منتصف عام 2024. كما أوضحت أن فرقها أجرت نحو 180 فحصاً طبياً، تبين أن 20% منها يتعلق بالأمراض المعدية.
وفيات البرد: تتواصل معاناة سكان القطاع من موجة البرد القارس والأمطار، في وقت يمنع فيه الاحتلال إدخال الخيام ومواد الإيواء. وأعلنت وزارة الصحة في غزة وفاة رضيع في خيام النزوح بمنطقة مواصي خان يونس، نتيجة الانخفاض الحاد في درجات الحرارة.
أفادت مصادر طبية محلية بوفاة ستة أطفال آخرين بسبب البرد، ليرتفع عدد الوفيات المسجلة لأسباب مرتبطة بالطقس البارد إلى 13 حالة وفاة على الأقل.
كشفت تقارير ميدانية أن آلاف العائلات تعيش في خيام بالية غمرتها مياه السيول والأمطار الغزيرة، مع عدم وجود مراكز إيواء بديلة. وأدى ذلك إلى خروج أربع نقاط طبية تابعة لجمعية الإغاثة الطبية عن الخدمة بعد أن غمرتها السيول وتلفت معداتها.
تأتي هذه التحذيرات في ظل واقع إنساني وصحي مدمّر نتج عن سنتين من الحرب، حيث خلّفت ما يزيد على 15 مليون طن من الركام ودمّرت أكثر من 90% من شبكات المياه في القطاع.
يقول جهاز الدفاع المدني في غزة إنه يعاني من نقص حاد في الإمكانات وتعطل الآليات اللازمة لعمليات الإغاثة، في ظل شلل شبه كامل لقطاع الخدمات.
استهداف المنظومة الصحية: وفقاً لمنظمة الصحة العالمية، تعرضت المنشآت الصحية في غزة لأكثر من 800 هجوم منذ أكتوبر/تشرين الأول 2023. وأدت هذه الهجمات الممنهجة، إلى جانب الحصار المشدد، إلى انهيار كامل للنظام الصحي، وهو ما يوصف في تحليلات قانونية بـ”جريمة إبادة صحية متعمدة”.
تراجع التطعيم: حذرت المنظمات الدولية من أن الأطفال الذين وُلدوا خلال العامين الماضيين لم يتلقّ كثير منهم أي جرعات من التطعيمات الأساسية، مما يزيد بشكل كبير من خطر تفشي الأمراض التي يمكن الوقاية منها باللقاحات، مثل شلل الأطفال والحصبة.
تدعو المنظمات الطبية والإنسانية المجتمع الدولي إلى تحمّل مسؤولياته والعمل بسرعة على الاستجابة العاجلة لإيواء المدنيين وحمايتهم من الخطر الداهم في فصل الشتاء. ويشددون على أن المساعدات الحالية محدودة جداً مقارنة بحجم الاحتياجات الهائلة.
تقدر منظمة الصحة العالمية أن إعادة بناء القطاع الصحي في غزة ستتطلب مليارات الدولارات وعقوداً من العمل، بسبب حجم الدمار الهائل في المستشفيات والبنى التحتية.
وسط هذا المشهد الكارثي، يحذر الخبراء من أن استمرار الحصار ومنع المساعدات الطبية والغذائية، مع تفاقم ظروف الشتاء، يهدد بتحول الأزمة الصحية إلى وباء واسع النطاق قد تكون عواقبه إنسانية وخيمة على سكان غزة المحاصرين.

التعليقات مغلقة.