أول جريدة إلكترونية مغربية تتجدد على مدار الساعة

نهائي الكان… مغربي-إفريقي يجسد عمق الشراكة التاريخية وأواصر العلاقات المغربية-السنغالية

بقلم: حسن لمراني   

يواجه المنتخب المغربي، يوم الأحد 18 يناير، نظيره السنغالي في نهائي كأس إفريقيا للأمم، في مباراة استثنائية تختزن أبعادًا رمزية وسياسية وروحية عميقة، تجعل من هذا الموعد الكروي أكثر من مجرد مواجهة رياضية عابرة.
وقد تميّزت هذه النسخة من كأس إفريقيا للأمم بتنظيم محكم، جسّد بوضوح حجم التحولات البنيوية التي شهدها المغرب خلال العقدين الأخيرين، سواء على مستوى البنيات التحتية أو الملاعب الرياضية ذات المواصفات العالمية، إضافة إلى اعتماد أحدث طرق التنظيم والتدبير.
وفي هذا السياق، أشاد باتريس موتسيبي، رئيس الكونفدرالية الإفريقية لكرة القدم (كاف)، بالنجاح الكبير الذي حققه المغرب في تنظيم كأس إفريقيا للأمم 2025، مؤكداً أن هذه النسخة تُعد من بين الأكثر نجاحاً في تاريخ المسابقة، سواء من حيث التنظيم أو الجوانب التقنية.
وخلال الندوة الصحافية التي عقدها يوم السبت، عبّر موتسيبي عن شكره وتقديره لجلالة الملك محمد السادس، وللحكومة المغربية، ولرئيس الجامعة الملكية المغربية لكرة القدم فوزي لقجع، على الدعم القوي والتنسيق المحكم الذي أسهم في إخراج هذه التظاهرة القارية بصورة احترافية ووفق معايير عالمية، معتبراً أن التجربة المغربية تشكّل نموذجاً يُحتذى به على الصعيد الإفريقي.
وفي خضم هذا النجاح التنظيمي، يتطلع المغاربة إلى أن يُتوَّج هذا المسار بفوز “أسود الأطلس” بالكأس وبقائها على الأرض المغربية. غير أن المهمة لن تكون سهلة، إذ يدخل المنتخب السنغالي النهائي بطموح مماثل، مدفوعًا بتاريخ كروي متصاعد وجيل ذهبي يسعى بدوره إلى تدوين اسمه في سجل الكرة الإفريقية.
وعليه، يُرتقب أن تكون المنافسة قوية فوق المستطيل الأخضر، لكنها مرشحة في الوقت ذاته لأن تظل محكومة بروح رياضية عالية واحترام متبادل بين المنتخبين.
فالمنتخب السنغالي ليس خصمًا عاديًا بالنسبة للمغرب، بل شقيق تجمعه بالمملكة علاقات تاريخية وإنسانية وروحية عميقة، تتجاوز حدود الدبلوماسية التقليدية، وتتجذر في الذاكرة الجماعية للشعبين. ويكفي التذكير بالتصريح اللافت لوزيرة الخارجية السنغالية، عيساتا تال صال، التي أكدت أن جلالة الملك محمد السادس يُعد «أميرًا للمؤمنين للسنغاليين أيضًا»، وهو تصريح ذو حمولة رمزية قوية، يعكس المكانة الروحية التي يحظى بها العاهل المغربي في غرب إفريقيا.

وتبرز الزاوية التيجانية كأحد أعمدة هذه الروابط الروحية، باعتبارها من أكثر الطرق الصوفية نفوذًا في السنغال، خاصة أن مؤسسها، سيدي أحمد التيجاني، مدفون بمدينة فاس، القلب الروحي للمغرب، ما يجعل من المملكة قبلة روحية لملايين السنغاليين. وقد وعى المغرب، قيادةً ومؤسسات، أهمية هذا الامتداد الروحي، فبادر المغفور له جلالة الملك الحسن الثاني إلى تأسيس رابطة علماء المغرب والسنغال، في خطوة جسّدت البعد الديني والعلمي للعلاقات الثنائية.
وسار جلالة الملك محمد السادس على النهج نفسه، من خلال تعزيز الدبلوماسية الدينية، حيث تتوفر العاصمة السنغالية دكار على فرع لمؤسسة محمد السادس لعلماء إفريقيا، التي تضطلع بدور محوري في تأطير الحقل الديني، ونشر قيم الإسلام الوسطي، وترسيخ روابط الثقة والتعاون بين المغرب وعمقه الإفريقي. وقد أسهمت هذه السياسة في ترسيخ صورة المغرب كفاعل روحي موثوق، وجعلت الشعب السنغالي يكنّ احترامًا خاصًا لشخص جلالة الملك، لا باعتباره قائد دولة فحسب، بل باعتباره رمزًا دينيًا جامعًا.
ويُعدّ اختيار جلالة الملك محمد السادس للعاصمة السنغالية دكار لإلقاء خطاب المسيرة الخضراء حدثًا غير مسبوق في تاريخ المغرب الحديث، إذ إنها المرة الأولى والوحيدة التي يوجّه فيها العاهل المغربي خطابًا رسميًا إلى الشعب المغربي من خارج التراب الوطني. وقد تم ذلك سنة 2016، بمناسبة الذكرى الحادية والأربعين للمسيرة الخضراء، في خطوة ذات دلالة سياسية ورمزية عميقة تعكس مستوى الثقة والمتانة التي تطبع العلاقات المغربية-السنغالية.
ولا تقتصر هذه الخصوصية على البعد الرمزي فقط، بل تمتد إلى الجانب القانوني والإنساني، لا سيما في ما يتعلق بقوانين الهجرة والإقامة. فالعلاقة بين المغرب والسنغال تقوم على اتفاقية تاريخية تعود إلى سنة 1964، تمنح المواطن السنغالي امتيازات خاصة في المغرب، حيث يتمتع تقريبًا بالحقوق نفسها التي يتمتع بها المواطن المغربي في مجالات الإقامة والعمل والاندماج الاجتماعي، وينطبق الأمر ذاته على المغاربة المقيمين في السنغال، في نموذج فريد للتكامل والتضامن جنوب-جنوب.
كما تتجلى متانة العلاقات الثنائية في مجال التكوين والتعليم، إذ يتابع أزيد من 3000 طالب سنغالي دراستهم وتكوينهم في المغرب، في مجالات مدنية وعسكرية متعددة، تشمل الطب والهندسة والعلوم الإنسانية، إضافة إلى التكوين العسكري والأمني، وكذا في مجال العلوم الشرعية. ويعكس هذا المعطى ثقة الدولة السنغالية في المنظومة التعليمية والتكوينية المغربية، كما يجعل من هذه الأطر جسورًا بشرية حقيقية بين البلدين، حاضرًا ومستقبلًا.
أما على المستوى السياسي، فقد ظلّ السنغال من أكثر الدول الإفريقية ثباتًا في دعم الوحدة الترابية للمملكة المغربية. ويُعدّ خطاب الرئيس السنغالي السابق ماكي صال داخل الاتحاد الإفريقي، قبيل عودة المغرب إلى بيته الإفريقي، دليلًا واضحًا على هذا الدعم الصريح والمبدئي، الذي لم يكن ظرفيًا أو تكتيكيًا، بل نابعًا من قناعة راسخة بعدالة القضية المغربية

التعليقات مغلقة.