كشف تقرير مؤسسة وسيط المملكة برسم سنة 2025 عن مجموعة من الاختلالات التي تعتري تدبير السجل الاجتماعي الموحد ونظام المعاشات، مؤكداً أن عدداً من الإشكالات المسطرية والمنهجية تؤثر سلباً على كفاءة الاستهداف الاجتماعي، وتمس بحقوق فئات واسعة من المواطنين، خصوصاً الفئات الهشة والمتقاعدين وذوي الحقوق.
وأوضح التقرير أن التجربة العملية للسجل الاجتماعي الموحد، الذي يعتمد مؤشراً رقمياً لتقييم الوضعية السوسيو-اقتصادية للأسر وتحديد أهليتها للاستفادة من برامج الدعم الحكومي، أبانت عن وجود عوائق تحد من فعاليته. ومن أبرز هذه الإشكالات تعقيد مساطر التسجيل، بما يشكل صعوبات إجرائية أمام المواطنين غير الملمين بالإجراءات الإدارية، إضافة إلى اعتماد معايير استحقاق مرتبطة بطبيعة السكن أو وسائل النقل والاتصال، اعتبرتها المؤسسة غير دقيقة في عكس الواقع الاجتماعي للأسر، وقد تؤدي إلى إقصاء غير مبرر لفئات تعيش أوضاعاً هشة.
وسجل التقرير أيضاً ضعف المواكبة التواصلية المتعلقة بآليات التسجيل وشروط الاستفادة، إلى جانب الاعتماد المكثف على المنصات الرقمية دون مراعاة الفوارق في الولوج إلى الخدمات التكنولوجية، وهو ما يدفع العديد من المواطنين إلى الاستعانة بالغير مقابل تكاليف إضافية، فضلاً عن ما يطرحه ذلك من مخاطر مرتبطة بحماية المعطيات الشخصية وإمكانية وقوع أخطاء أو تلاعب في البيانات.
وفي ما يتعلق بالمعاشات، صنف التقرير الاختلالات المسجلة في ثلاثة مستويات رئيسية، تتعلق بضعف القيمة المادية للمعاش، وكيفية احتسابه، وآليات صرفه لفائدة ذوي الحقوق.
وأشار التقرير إلى أن عدداً من المتقاعدين، رغم استيفائهم مدة الاشتراك القانونية، يتقاضون معاشات متدنية لا تضمن لهم الحد الأدنى من الاستقرار المادي، وهو ما يؤدي إلى حرمان بعضهم من الاستفادة من التأمين الإجباري الأساسي عن المرض، خاصة بالنسبة لمنخرطي الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي والصندوق المغربي للتقاعد، بسبب انخفاض قيمة المعاش أو عدم تغطيته لمساهمة التأمين المطلوبة.
ودعت مؤسسة وسيط المملكة إلى إيجاد حلول تضمن الولوج الفعلي لهذه الفئة إلى التغطية الصحية، من خلال إدماجها ضمن نظام التأمين المخصص للأشخاص غير القادرين على تحمل واجبات الاشتراك.
كما رصد التقرير تكرار أخطاء مادية في احتساب سنوات الخدمة الفعلية والأجرة المرجعية، مرجعاً ذلك إلى قصور في تحويل ملفات الإحالة على التقاعد من الإدارات المشغلة إلى الصناديق المختصة، سواء بسبب إحالة ملفات غير مكتملة أو غير محينة، أو إغفال احتساب فترات عمل مستحقة قانوناً، إضافة إلى التأخر في تسوية الوضعيات رغم الإدلاء بالوثائق اللازمة.
وأكد التقرير أن هذه الاختلالات لا تؤثر فقط على الحقوق المالية للمتقاعدين، بل تكبد الإدارة أيضاً أعباء مالية إضافية نتيجة عمليات التسوية اللاحقة.
وفي ما يخص صرف المعاشات لذوي الحقوق، سجلت المؤسسة استمرار صرف معاش الأيتام بعد بلوغ بعض المستفيدين السن القانونية، الأمر الذي يدفع بعض الصناديق إلى توقيف المعاش بالكامل لاسترجاع المبالغ المؤداة دون وجه حق، وهو ما ينعكس سلباً على الأسر المعنية بحرمانها من مورد رزقها لفترات قد تطول. وأوصت المؤسسة باعتماد آلية الاقتطاع الجزئي للمبالغ المستحقة مع الحفاظ على جزء من المعاش لضمان الاستقرار المعيشي، بالتوازي مع تحيين معطيات المستفيدين.
كما أثارت المؤسسة إشكالية حرمان الأطفال المكفولين من الاستفادة من معاش الأيتام بعد وفاة كافلهم ضمن أنظمة الاحتياط الاجتماعي، معتبرة أن هذا الوضع يتعارض مع مبادئ العدالة والمساواة والمصلحة الفضلى للطفل المنصوص عليها في الاتفاقيات الدولية التي صادق عليها المغرب.
وفي ملف التعويضات العائلية، رصد التقرير تفاوتاً في معايير الاستفادة بالنسبة للأطفال في وضعية إعاقة، نتيجة اختلاف المقاربات بين أنظمة الاحتياط الاجتماعي، إذ تشترط بعض الصناديق إثبات العجز التام والمطلق عن العمل، بينما تكتفي أخرى بشهادة طبية تثبت حالة العجز، وهو ما يفضي إلى تفاوت في التمتع بالحقوق ويمثل شكلاً من أشكال التمييز غير المستند إلى أساس قانوني أو إداري.
واعتبر التقرير أن معيار “العجز التام والمطلق” لا يراعي الفوارق الاجتماعية والمجالية، خاصة بالمناطق القروية والنائية التي تعاني ضعفاً في خدمات التعليم والصحة والتكوين والمواكبة، مما يجعل تقييم القدرة على العمل غير منصف، ويكرس مظاهر الإقصاء والهشاشة التي تعيشها الأسر المعنية.
وخلصت مؤسسة وسيط المملكة إلى ضرورة مراجعة عدد من الممارسات الإدارية والمساطر المعتمدة في تدبير السجل الاجتماعي الموحد وأنظمة المعاشات والتعويضات الاجتماعية، بما يضمن عدالة الاستهداف، ويحمي الحقوق الاجتماعية، ويكرس مبادئ المساواة والإنصاف المنصوص عليها في الدستور.

التعليقات مغلقة.