يحيي العالم اليوم العالمي للمناخ، ليس كمناسبة احتفالية، بل كتذكير صارخ بحالة الطوارئ التي يعيشها الكوكب. يأتي هذه العام بعد أسابيع قليلة فقط من انتهاء مؤتمر الأطراف “كوب 30” في البرازيل، حاملاً معه تساؤلات مصيرية: هل تحوّلت الوعود الدولية إلى فعل ملموس؟ خاصة بالنسبة للدول النامية التي تتحمل العبء الأكبر لتغير المناخ دون أن تكون المسؤولة الرئيسية عنه.
منذ انطلاق مفاوضات المناخ في برلين عام 1995، وصولاً إلى اتفاق باريس التاريخي 2015 الذي هدف إلى حصر الاحترار العالمي بأقل من درجتين مئويتين، قطع العالم شوطاً طويلاً في رسم الأطر النظرية. لكن المسار المُتبع يكشف عن فجوة هائلة بين الطموحات السياسية والواقع المناخي المتدهور، خاصة في جنوب الكرة الأرضية. ففي الوقت الذي تتصارع فيه الدول على الجداول الزمنية للتخلص من الوقود الأحفوري – أكبر مصادر الانبعاثات – تدفع دول إفريقيا والدول الجزرية الصغيرة فاتورة باهظة، يوماً بعد يوم.
تتحول التأثيرات المناخية في إفريقيا جنوب الصحراء إلى معادلة مرعبة للبقاء. ففترات الجفاف الممتدة، والأمطار الغزيرة المدمرة، وموجات الحر القاسية، تقوض أركان الأمن الغذائي. المحاصيل تتراجع، والملايين في مناطق الهشاشة يجدون أنفسهم على حافة الهاوية. وفي غرب إفريقيا، تلتهم التعرية الساحلية المتسارعة اليابسة، مجبرة آلاف السكان على النزوح. بينما تخلف الفيضانات والانهيارات الأرضية في شرق وجنوب القارة خسائر بشرية فادحة، وتدمر البنى التحتية الحيوية من منازل ومستشفيات وطرق، في ضربة مزدوجة للإنسان والاقتصاد.
تعتبر الدول الجزرية الصغيرة النموذج الأكثر دراماتيكية لظلم الأزمة المناخية. فبسبب انخفاض أراضيها واعتماد اقتصادها الهش على السياحة والصيد، يجعلها ارتفاع منسوب مياه البحر في مواجهة مباشرة مع الفناء. تآكل الشواطئ، وتملُّح المياه الجوفية، وتكرار الأعاصير الشديدة، كلها كوابيس تهدد وجود هذه الدول بكامله، وتكشف عن حجم الخطر الوجودي الذي يشكله المناخ.
تضع الكوارث المناخية المتلاحقة حكومات هذه الدول في مأزق مالي خانق. فتزداد النفقات الطارئة لإدارة الكوارث وإعادة الإعمار، بينما تتفاقم فاتورة الواردات الغذائية لتعويض النقص في الإنتاج المحلي. وهكذا، تُسحب الموارد الشحيحة أصلاً من برامج التنمية طويلة الأجل لمواجهة أزمات آنية، في حلقة مفرغة من التخلف والضعف.
أظهر “كوب 30” بعض البقع المضيئة، كالتقدم في تمويل التكيف المناخي وإطلاق آلية “الخسائر والأضرار”، التي طال انتظارها. لكن المؤتمر كشف أيضاً عن انقسامات عميقة، خاصة حول الجدول الزمني للتخلي عن الوقود الأحفوري، حيث تصدت دول منتجة ومستهلكة للمحروقات بقوة، تاركة مصير المصدر الرئيسي للانبعاثات غامضاً. هذا الغموض السياسي هو ترف لا تستطيع دول الجنوب تحمله.

التعليقات مغلقة.