أول جريدة إلكترونية مغربية تتجدد على مدار الساعة

الفراغ الجيوسياسي بعد تراجع النفوذ الإيراني

د. مصطفى عبدالقادر آكاديمي وأستاذ جامعي

يمثل احتمال انهيار النفوذ الإقليمي للنظام الإيراني – أو تراجعه المفاجئ تحت وطأة صراعات “الذئاب” الداخلية – نقطة تحول استراتيجية في تاريخ الشرق الأوسط المعاصر. ورغم أن هذا التراجع قد يُنظر إليه من منظور الشعوب المضطهدة كخطوة نحو التحرر، إلا أنه يطرح أمام المجتمع الدولي تحدياً مركباً: كيف يمكن التعامل مع “الفراغ الجيوسياسي” الناتج عن أفول قوة إقليمية كانت تهيمن لعقود على مفاصل سياسية وعسكرية في دول مثل العراق، ولبنان، وسوريا؟

وهم الاستقرار عبر سياسات “الاسترضاء”

لقد اعتمد المجتمع الدولي، لسنوات طويلة، سياسات الاسترضاء والاحتواء الدبلوماسي مع النظام الإيراني، معتقداً أن دمج طهران في المنظومة الدولية سيؤدي إلى اعتدال سلوكها. واليوم، تبدو هذه الاستراتيجية وقد وصلت إلى طريق مسدود. ففي ظل الانهيار الوشيك لهيكل السلطة في إيران، يجد المجتمع الدولي نفسه أمام معضلة: غياب رؤية استباقية لمرحلة “ما بعد النفوذ الإيراني”. إن الفراغ الذي قد يتركه النظام ليس مجرد غياب عسكري، بل هو انهيار لمنظومات كاملة من الميليشيات والأذرع التي خلقت واقعاً هشاً في دول الجوار.

التحدي الاستراتيجي: من الاحتواء إلى الإدارة

السؤال الحقيقي ليس ما إذا كان المجتمع الدولي يمتلك استراتيجية فحسب، بل ما إذا كانت هذه الاستراتيجية قادرة على الانتقال من مرحلة “إدارة الأزمة” إلى “إدارة التحول”. تاريخياً، غالباً ما أدى سقوط الأنظمة الديكتاتورية المأزومة دون بديل ديمقراطي واضح إلى مزيد من الفوضى. ولتجنب هذا السيناريو، يتوجب على القوى الدولية القيام بخطوات مدروسة:

الاعتراف بالبديل الديمقراطي: الانتقال من دعم بقاء النظام إلى الاعتراف بحق الشعب والمقاومة الإيرانية في تقرير المصير، وهو ما يمثل “الحل الثالث” الذي يضمن انتقالاً سلمياً وسلساً للسلطة.
تفكيك البنى الميليشياوية: العمل على تعزيز سيادة الدول التي تضررت من التدخلات الإيرانية، وتفكيك البنى العسكرية غير الرسمية التي تتبع لفيلق القدس، لضمان عدم تحول الفراغ إلى حرب أهلية.
دعم قوى التغيير المحلي: توجيه الدعم للقوى المدنية والوطنية في دول المنطقة التي عانت من الوكلاء الإيرانيين، لتمكينها من ملء الفراغ السياسي ببدائل وطنية ديمقراطية.
مخاطر “الفوضى المدارة”

هناك خطر حقيقي يتمثل في أن تحاول بعض الأطراف الدولية “إدارة الفوضى” بدلاً من دعم استقرار حقيقي، وذلك من خلال المراهنة على بقايا النظام أو فلول الديكتاتوريات السابقة. إن هذه المقاربة، إذا ما اعتُمدت، ستكون تكراراً لأخطاء الماضي. الشعوب في المنطقة، بما فيها الشعب الإيراني، أثبتت وعياً سياسياً يتجاوز حسابات المصالح الدولية الضيقة. أي استراتيجية لا تعتمد على إرادة الشعوب في اختيار أنظمة جمهورية ديمقراطية ستكون مصيرها الفشل، لأنها ستواجه بالرفض الشعبي المستمر.

حتمية التنسيق الإقليمي والدولي

إن المجتمع الدولي لا يمتلك حالياً “خطة موحدة” للتعامل مع هذا الفراغ المحتمل. بينما تنشغل القوى الدولية بالملفات الاقتصادية والحروب الكبرى، ويظل ملف التغيير في إيران “رهينة” لحسابات التوازنات. ومع ذلك، فإن تصاعد “حرب الذئاب” داخل طهران يفرض على الدول الفاعلة سرعة صياغة تحالفات جديدة ترتكز على الواقع الميداني لا على الأوهام الدبلوماسية. إن الحاجة إلى استراتيجية تجمع بين الضغط على النظام وتجفيف منابع نفوذه، وبين دعم بديل وطني ديمقراطي، أصبحت ضرورة أمنية دولية وليست مجرد خيار سياسي.

إن انهيار النفوذ الإيراني لن يكون مجرد نهاية لعهد من التدخلات، بل هو بداية لمرحلة إقليمية جديدة. الاستراتيجية الناجحة للمجتمع الدولي يجب أن تقوم على مبدأ “تمكين الشعوب” بدلاً من “صناعة الأنظمة”. إن المسؤولية الدولية تكمن في توفير الضمانات اللازمة لمنع انزلاق المنطقة نحو الصراعات الشاملة خلال فترة الانتقال، وذلك عبر دعم القوى الحية التي تنشد السلام والحرية، وتهميش أدوات القمع التي تمزق النسيج الاجتماعي لدول الشرق الأوسط. إن الوقت ليس في صالح المترددين، فالأحداث على الأرض تتسارع، ومن لا يمتلك رؤية للبديل الديمقراطي، سيجد نفسه خارج معادلة الشرق الأوسط الجديد.

التعليقات مغلقة.