أول جريدة إلكترونية مغربية تتجدد على مدار الساعة

المكي السبتي: حين تتحول الصحافة إلى أداة للإنتقام السياسي

كمال السليماني

مع اقتراب الاستحقاقات الانتخابية لسنة 2026، تعرف دائرة الناظور منافسة سياسية يفترض أن تقوم على التعدد وتكافؤ الفرص، في ظل ترشح 17 شخصاً يمثلون 17 حزباً لخوض غمار الانتخابات. وهو ما يجعل المشهد الانتخابي متنوعاً، ويضع وسائل الإعلام أمام مسؤولية كبيرة تتمثل في تقديم تغطية مهنية ومتوازنة تساعد الناخبين على التعرف على مختلف المرشحين وبرامجهم.

غير أن اللافت للانتباه، وفق ما يثار في هذا السياق، هو اختيار بعض المنابر الإلكترونية التركيز بشكل شبه حصري على مرشح بعينه، بما قد يوحي بأن المنافسة الانتخابية في دائرة الناظور تدور حول شخص واحد، بينما يتم التعامل مع باقي المتنافسين باعتبارهم مجرد تفاصيل هامشية.

وهنا يطرح سؤال جوهري نفسه: أين يقف الحياد الصحفي؟

فالصحافة المهنية ليست مطالبة بتلميع صورة مرشح على حساب آخر، كما أنها ليست مطالبة بتحويل صفحاتها إلى منصات للهجوم أو التشهير أو تصفية الحسابات السياسية. وتتمثل وظيفتها الأساسية في نقل المعلومة، والتحقق منها، وطرح الأسئلة، ومساءلة مختلف المتنافسين وفق المعايير المهنية نفسها.

وعندما يتحول المنبر الإعلامي إلى طرف في المعركة الانتخابية، تصبح المسألة أكثر تعقيداً. فإذا كان الخط التحريري لا يقدم عن مرشح معين سوى الإيجابيات والمدح المتواصل، فقد تبرز تساؤلات مشروعة حول طبيعة العلاقة بين الإعلام والسياسة، وما إذا كانت التغطية تندرج فعلاً ضمن العمل الصحفي، أم أنها تقترب من الدعاية الانتخابية غير المعلنة.

وفي المقابل، فإن تخصيص مرشح بعينه بالمقالات السلبية والانتقادات والهجمات المتكررة يطرح بدوره تساؤلات حول الحدود الفاصلة بين الممارسة الصحفية النقدية، وبين استخدام الإعلام كوسيلة لتصفية الحسابات السياسية.

ولا تكمن المشكلة في انتقاد مرشح أو الإشادة بمبادرة جيدة، فالصحافة من حقها، بل من واجبها، مساءلة المسؤولين والمرشحين وكشف الاختلالات متى توفرت الأدلة والمعطيات. غير أن الإشكال يبدأ عندما يصبح معيار التغطية هو الولاء أو الخصومة، وعندما تتحول المعلومة إلى وسيلة للضغط، والمقال إلى أداة للانتقام أو تحقيق المصالح.

والأخطر أن مثل هذه الممارسات لا تضر بصورة المرشحين فقط، وإنما تضر بصورة الصحافة نفسها. فعندما يفقد القارئ الثقة في المنابر الإعلامية، يصبح من الصعب عليه التمييز بين الخبر والرأي، وبين النقد والتشهير، وبين العمل الصحفي والدعاية السياسية.

وفي دائرة انتخابية تضم 17 متنافساً، تقتضي أبسط قواعد الإنصاف أن يحصل الجميع، قدر الإمكان، على فرصة عادلة للتعريف ببرامجهم ومواقفهم، أو أن تكون المعايير المهنية التي تبرر التركيز على مرشح دون غيره واضحة وقابلة للتفسير والدفاع عنها.

فالانتخابات ليست منافسة بين مرشح واحد ووسائل إعلام تبحث عن الإثارة، وإنما استحقاق ديمقراطي يهم آلاف الناخبين الذين من حقهم الوصول إلى معلومات متوازنة وموثوقة تساعدهم على اتخاذ قرارهم بحرية واستقلالية.

وفي النهاية، ليس عيباً أن تنتقد الصحافة مرشحاً، وليس عيباً أن تثني على مبادرة أو موقف إيجابي. العيب أن يصبح الموقف الإعلامي مرتبطاً بمن يدفع أو بمن يعادي، وأن تتحول التغطية الانتخابية إلى وسيلة لخدمة أجندات سياسية ضيقة.

فالصحافة الحقيقية لا تُشترى بالمدح، ولا تُستأجر للانتقام، ولا تجعل من الانتخابات موسماً للاسترزاق، وإنما تضع المهنية والموضوعية وخدمة القارئ في مقدمة أولوياتها.

17 مرشحاً، و17 حزباً، وناخب يملك الكلمة الأخيرة. أما الصحافة، فعليها أن تنقل المشهد كما هو، لا أن تصنعه.

التعليقات مغلقة.