منذ آلاف السنين، اعتاد الإنسان أن يرفع عينيه إلى السماء محاولًا فهم ما يجري على الأرض. فالكواكب والنجوم لم تكن في نظر كثير من الحضارات القديمة مجرد أجرام سماوية بعيدة، بل اعتُبرت رسائل خفية قد تحمل إشارات عن مصير الملوك والإمبراطوريات وحتى الحروب. وبينما يؤكد العلم الحديث أن حركة الكواكب لا تؤثر مباشرة في قرارات البشر، فإن التاريخ السياسي يزخر بقصص حكام كانوا يترددون في اتخاذ قرارات مصيرية قبل استشارة منجم أو قراءة خريطة فلكية.
في السنوات الأخيرة، ومع تصاعد التوترات المرتبطة بإيران في الشرق الأوسط، عاد الحديث لدى بعض المهتمين بعلم التنجيم عن ما يسمونه “الاصطفافات الكوكبية المؤثرة”. ويرى هؤلاء أن بعض الأحداث العسكرية الكبرى تتزامن مع اقترانات فلكية نادرة بين كواكب معينة. ويشيرون إلى أن فترات التوتر المرتبطة بإيران، سواء خلال الثورة الإيرانية أو خلال النزاعات الإقليمية مثل الحرب العراقية الإيرانية، حدثت في أوقات شهدت اقترانات بين كواكب يربطها المنجمون بالصراع، مثل المريخ وزحل وبلوتو.
وفق هذا المنظور غير العلمي، يُرمز لكوكب المريخ في التنجيم بالحرب والطاقة القتالية، بينما يُربط زحل بالأزمات والقيود. وعندما يلتقيان في خريطة فلكية معينة، يفسر بعض المنجمين ذلك كإشارة إلى توترات أو صراعات سياسية محتملة. غير أن علماء الفلك يؤكدون أن هذه التفسيرات تظل ضمن إطار الاعتقاد الثقافي أو الشعبي، إذ لا يوجد أي دليل علمي يثبت أن اصطفاف الكواكب يمكن أن يتسبب فعليًا في اندلاع الحروب، وأن ما يحدث على الأرض هو نتيجة قرارات سياسية واستراتيجية تتخذها الدول.
في الحضارات القديمة، لم يكن هناك فصل واضح بين العلم والدين والفلك. ففي بابل القديمة، كان المنجمون يحتلون مكانة بارزة في بلاط الملوك، حيث كانوا يراقبون حركة الكواكب والكسوف والخسوف بحثًا عن إشارات قد تنذر بحروب أو سقوط ملوك. وتشير الألواح الطينية التي اكتُشفت لاحقًا إلى أن تغير مواقع النجوم كان يُفسَّر غالبًا كتحذير من كارثة سياسية أو عسكرية.
أما في الإمبراطورية الرومانية، فقد كان بعض القادة العسكريين يؤجلون المعارك إذا اعتبر المنجمون أن مواقع النجوم غير مواتية. وتذكر الروايات التاريخية أن عددًا من الأباطرة احتفظوا بمنجمين خاصين لتحديد الأيام المناسبة لاتخاذ القرارات الكبرى.
وفي الصين الإمبراطورية، كان علماء الفلك يعملون مباشرة في خدمة البلاط، وكانت قراءة السماء جزءًا من إدارة الدولة. فالظواهر الفلكية كانت تُفسَّر أحيانًا كرسائل تحذر من تمردات أو نزاعات قادمة.
قد يبدو الأمر وكأنه ينتمي إلى العصور القديمة، إلا أن هذه الممارسات لم تختفِ تمامًا في العصر الحديث. ومن أبرز الأمثلة ما كُشف عنه في الولايات المتحدة خلال ثمانينيات القرن الماضي، حين تبين أن السيدة الأولى كانت تستشير منجمة لتحديد توقيت بعض الأنشطة والرحلات الخاصة بالرئيس بعد محاولة اغتياله. ووفق شهادات لاحقة لمسؤولين في البيت الأبيض، كانت بعض المواعيد تُحدد بناءً على نصائح مرتبطة بحركة الكواكب.
ولا يقتصر الأمر على تلك الحالة؛ فالكثير من السياسيين ورجال الأعمال والمشاهير في العالم ما زالوا يلجؤون إلى المنجمين للحصول على استشارات حول توقيت القرارات المهمة أو إطلاق المشاريع أو حتى تنظيم الحملات الانتخابية.
يربط بعض المنجمين بين الأحداث العالمية الكبرى وبين ما يُعرف بالاقترانات الفلكية. فهناك من يرى أن اندلاع الحرب العالمية الأولى عام 1914 تزامن مع مواقع كوكبية اعتُبرت في علم التنجيم “متوترة”، كما يشير آخرون إلى أن الحرب العالمية الثانية عام 1939 جاءت في فترة كانت فيها كواكب مثل زحل والمريخ في مواقع يفسرها المنجمون كإشارات للصراع.
وتتكرر هذه التفسيرات مع النزاعات الحديثة، مثل التوترات في الشرق الأوسط أو الخلافات بين القوى الكبرى. إلا أن المشكلة الأساسية في هذه الطروحات هي أن الربط غالبًا ما يتم بعد وقوع الحدث، وليس قبل حدوثه بطريقة يمكن التحقق منها علميًا.
رغم التقدم العلمي الهائل، لا يزال بعض صناع القرار يبحثون عن المشورة الفلكية. ولا يكون ذلك دائمًا بدافع الإيمان الكامل بها، بل أحيانًا لأسباب نفسية أو ثقافية.
فالقرارات السياسية الكبرى غالبًا ما تكون محفوفة بالمخاطر، مما يدفع بعض القادة إلى البحث عن أي مؤشر يمنحهم شعورًا بالاطمئنان. كما أن التقاليد الثقافية في بعض المجتمعات، خاصة في آسيا، ما زالت تمنح أهمية كبيرة للتوقيت الفلكي وقراءة
العلم الحديث واضح في هذا المجال: لا توجد أدلة تثبت أن حركة الكواكب تؤثر مباشرة في قرارات البشر أو في اندلاع الحروب. فالكواكب تتحرك وفق قوانين الفيزياء وحدها.
لكن في المقابل، لا يمكن إنكار أن الإيمان بالتنجيم قد يؤثر في السلوك البشري. فإذا كان قائد سياسي يؤمن فعلًا بأن الكواكب تشير إلى توقيت مناسب للحرب أو السلام، فقد يتصرف بناءً على هذا الاعتقاد.
وهنا، تصبح النجوم — بشكل غير مباشر — جزءًا من المشهد السياسي في النهاية، تبقى الحروب نتيجة قرارات بشرية معقدة ترتبط بالمصالح الاقتصادية والجغرافيا السياسية والصراع على النفوذ. أما النجوم والكواكب، فهي بعيدة عن تلك الصراعات.
ومع ذلك، يذكرنا التاريخ بحقيقة لافتة:
حتى في عصر الأقمار الصناعية والذكاء الاصطناعي، ما زال بعض البشر يبحثون في السماء عن إجابات لأسئلة الأرض.

التعليقات مغلقة.