تواجه حيتان الطيار طويلة الزعانف في مضيق جبل طارق خطرا متزايدا لا يمكن رؤيته بالعين المجردة، لكنه يهدد بقاءها بشكل مباشر: التلوث الصوتي الناتج عن حركة السفن الكثيفة.
وكشفت دراسة دولية حديثة أن هذه الثدييات البحرية وصلت إلى حدود قدرتها البيولوجية على رفع أصواتها للتواصل تحت الماء، في محاولة للتغلب على الضجيج المتواصل الذي تسببه السفن العابرة للمضيق.
ويعبر أكثر من 60 ألف سفينة سنويا عبر المضيق، الذي يربط بين المحيط الأطلسي والبحر الأبيض المتوسط، ما يجعله واحدا من أكثر طرق الملاحة البحرية نشاطا في العالم. وفي هذه البيئة الصاخبة تعيش مجموعة صغيرة من حيتان الطيار طويلة الزعانف لا يتجاوز عددها 250 حوتا فقط، وهي مجموعة مصنفة ضمن الفئات المهددة بشكل حرج.
وشارك في إعداد الدراسة باحثون من جامعة آرهوس إلى جانب مؤسسات علمية أوروبية وأميركية، حيث توصلوا إلى أن الحيتان تحاول باستمرار رفع شدة نداءاتها الصوتية حتى تتمكن من الحفاظ على التواصل داخل المجموعة، إلا أن بعض هذه النداءات بلغ بالفعل أقصى مستوى ممكن.
وتعتمد حيتان الطيار على الصوت في مختلف تفاصيل حياتها اليومية، من تنسيق التحركات الجماعية والبحث عن الغذاء، إلى العثور على أفراد المجموعة بعد الغوص العميق، والتزاوج، ورعاية الصغار.
وخلال الفترة ما بين 2012 و2015، ثبت الباحثون أجهزة تسجيل صوتية على ظهور 23 حوتا باستخدام أكواب شفط خاصة. وسجلت الأجهزة بيانات دقيقة عن تحركات الحيتان وأعماق الغوص والضوضاء المحيطة بها، قبل أن تنفصل تلقائيا وتطفو على سطح البحر ليتم استرجاعها لاحقا.
وحلل الفريق العلمي أكثر من 1400 نداء صوتي، وصنفها إلى أربعة أنواع مختلفة. وأظهرت النتائج أن النداءات منخفضة التردد والنداءات المركبة، وهي الأكثر أهمية للحفاظ على تماسك المجموعة، أصبحت عاجزة عن الارتفاع أكثر لمواجهة الضجيج البحري.
وتكمن خطورة الأمر في أن هذه النداءات هي المسؤولة عن إعادة تجميع الحيتان بعد رحلات الصيد الطويلة، ما يعني أن أي خلل في فعاليتها قد يؤدي إلى تفرق المجموعة وإضعاف فرص بقائها.
وسجلت الدراسة مستويات ضجيج تراوحت بين 79 و144 ديسيبل، وهي مستويات تضاهي ضوضاء مطعم مزدحم أو صوت مكنسة كهربائية على مسافة قريبة.
ورغم أن هذا الضجيج لا يتسبب مباشرة في نفوق الحيتان، فإنه يؤثر بعمق على قدرتها على التواصل والصيد والتكاثر ورعاية الصغار، كما يزيد احتمالات تشتت أفراد المجموعة الصغيرة.
ويرى الباحثون أن وضع هذه الحيتان يسلط الضوء على مشكلة عالمية متفاقمة تتمثل في التلوث الصوتي البحري الناتج عن الأنشطة البشرية، وهو نوع من التلوث لا يترك آثارا مرئية، لكنه يغير بشكل جذري حياة الكائنات التي تعتمد على الصوت للبقاء.
وتخلص الدراسة إلى أن الحد من ضجيج السفن في المناطق البحرية الحساسة لم يعد مجرد إجراء تقني، بل خطوة ضرورية لحماية الأنواع المهددة. ففي مضيق جبل طارق، قد يكون مستوى الضجيج هو العامل الذي يحدد مستقبل واحدة من أكثر مجموعات الحيتان هشاشة في المنطقة.

التعليقات مغلقة.