أول جريدة إلكترونية مغربية تتجدد على مدار الساعة

“مسؤولية المدبرين العموميين أمام القاضي المالي المغربي”

جريدة أصوات

صدر حديثًا للأستاذ إبراهيم بن به، الوكيل العام للملك لدى المجلس الأعلى للحسابات، مؤلَّف جديد بعنوان: “نظام مسؤولية المدبرين العموميين أمام القاضي المالي: بين التأصيل والاستشراف – دراسة قانونية وقضائية مقارنة”، وهو عمل أكاديمي ومهني يأتي تتويجًا لأزيد من ست سنوات من البحث والتحيين لأطروحته لنيل الدكتوراه في الحقوق التي ناقشها سنة 2017 بكلية العلوم القانونية والاقتصادية والاجتماعية بالمحمدية.

الكتاب، الذي قدّم له الأستاذ محمد أشركي، عضو أكاديمية المملكة المغربية والرئيس السابق لـ المجلس الدستوري والوكيل العام للملك لدى المجلس الأعلى للحسابات سابقًا، يطمح إلى الإسهام في استشراف مستقبل نظام مسؤولية المدبرين العموميين أمام القاضي المالي المغربي، في سياق التحولات المتسارعة التي يعرفها التدبير العمومي والأنظمة المقارنة للرقابة العليا على المالية العمومية.

يسعى المؤلف إلى تحليل وتقييم نطاق ومجال مسؤولية المدبرين العموميين في إطار الاختصاصات القضائية للمحاكم المالية، مع التركيز على آليات تفعيل هذه المسؤولية من طرف القاضي المالي، وذلك استنادًا إلى مقتضيات مدونة المحاكم المالية والاجتهاد القضائي المالي المغربي والمقارن.

ويبسط الكتاب في جزئه الأول نطاق المسؤولية من حيث الأشخاص الخاضعين لها، وطبيعة المخالفات المستوجبة للمساءلة، سواء في مجال التدقيق والبت في الحسابات أو في مجال التأديب المتعلق بالميزانية والشؤون المالية. كما يتناول المساطر المتبعة أمام المحاكم المالية، وقواعد إسناد المسؤولية، والعقوبات المترتبة عن المخالفات، في أفق إبراز محاور إصلاح هذا النظام بما يعزز فعالية الرقابة القضائية البعدية على التدبير المالي العمومي.

وفي بعده المقارن، يعرض الكتاب لمختلف أنظمة المسؤولية أمام الأجهزة العليا للرقابة المالية والمحاسبة، خاصة تلك التي تمارس مهامًا قضائية، مع إيلاء أهمية خاصة للنموذج الفرنسي الذي عرف تحولات عميقة خلال السنوات الأخيرة. ويُبرز المؤلف أهمية دراسة هذه التحولات في استشراف مستقبل النظام المغربي، الذي لا يزال يعتمد نظام الثنائية، من خلال التمييز بين اختصاصي البت في الحسابات والتأديب المتعلق بالميزانية والشؤون المالية.

كما يناقش المؤلف موقع المسؤولية أمام المحاكم المالية ضمن منظومة أوسع تتقاطع فيها المسؤولية الجنائية والتأديبية، مؤكدًا على ضرورة بناء نظام أكثر فعالية وتوازنًا، يستجيب لتحديات التدبير العمومي المعاصر، ويكرس مبدأ ربط المسؤولية بالمحاسبة.

ويتميز المؤلَّف ببعده العملي، إذ يتضمن عرضًا مفصلًا لأهم المقررات القضائية الصادرة عن المحاكم المالية في المغرب وفرنسا، مع بيان حيثياتها وتعليلاتها، خاصة تلك التي أرست مبادئ جوهرية في المسطرة أو في إثبات المخالفات أو في قواعد إسناد المسؤولية. ويهدف هذا التوجه إلى تعزيز الدور البيداغوجي للأجهزة العليا للرقابة، بما يسهم في تحسين التدبير العمومي وترسيخ ثقافة الحكامة الجيدة.

كما خصص المؤلف كتابًا ثانيًا لأهم القواعد التي كرستها محكمة النقض (المجلس الأعلى سابقًا) في إطار نظرها في طلبات نقض قرارات المجلس الأعلى للحسابات، سواء في مجال البت في الحسابات أو في مجال التأديب المتعلق بالميزانية والشؤون المالية، إضافة إلى القواعد المستنبطة من اجتهادات المحاكم المالية بدرجتيها الابتدائية والاستئنافية. وقد تم تصنيف هذه القواعد حسب موضوعها وارتباطها بمجالات التدبير العمومي وقواعد الإثبات وإسناد المسؤولية.

ومن أجل تمكين القارئ من الإحاطة الشاملة بنظام الرقابة العليا على المالية العمومية، أُرفق الكتاب بملاحق تتناول خصوصيات مؤسسة النيابة العامة لدى الأجهزة العليا للرقابة ذات المهام القضائية، إلى جانب دراسة مقارنة للأنظمة الدولية ذات الصلة، واستعراض للمعايير المعتمدة من طرف المنظمة الدولية للأجهزة العليا للرقابة المالية والمحاسبة.

ويُنتظر أن يشكل هذا الإصدار مرجعًا أكاديميًا ومهنيًا للقضاة الماليين، وهيئات المحاكم المالية، والمدبرين العموميين، وكذا للباحثين والمهتمين بالشأن العام، بالنظر إلى ما يوفره من تحليل معمق ورؤية استشرافية تسهم في إغناء النقاش حول تطوير القضاء المالي وتعزيز مبادئ الشفافية وربط المسؤولية بالمحاسبة في المغرب.

التعليقات مغلقة.