في أقل من عقدين، استطاع المغرب أن يتحول من مجرد منافس قارّي إلى قوة كروية صاعدة على الساحة العالمية، بفضل رؤية استراتيجية واضحة قادها الملك محمد السادس، ووجدت تجسيدها الملموس في مشروع ضخم حمل اسم أكاديمية محمد السادس لكرة القدم، التي أصبحت اليوم منارة رياضية وتكوينية تحظى بإشادة كبرى المؤسسات الرياضية الدولية.
من فكرة إلى مؤسسة نموذجية
منذ تأسيسها سنة 2007 بمدينة سلا، شكلت الأكاديمية حجر الزاوية في مشروع وطني لإعادة هيكلة كرة القدم المغربية من الجذور. لم يكن الهدف فقط تكوين لاعبين موهوبين، بل إعداد جيل متكامل يجمع بين التكوين الرياضي الصارم والتعليم الأكاديمي الوازن.
على مساحة تناهز 2.5 كيلومتر مربع بمحاذاة نهر أبي رقراق، تقف الأكاديمية كتحفة معمارية تمزج بين الأصالة المغربية والحداثة، وتضم ملاعب عصرية، مرافق طبية متطورة، مراكز تدريب داخلية، ومدارس مجهزة بأحدث الوسائل التعليمية، لتوفر بيئة مثالية لصقل المواهب في سن مبكرة.
إشادة دولية وثمار محلية
الاتحاد الدولي لكرة القدم (فيفا) وصف الأكاديمية بـ“جوهرة كرة القدم المغربية”، واعتبرها نموذجاً عالمياً في الجمع بين الاحتراف الرياضي والتكوين الأكاديمي. هذه الإشادة لم تأتِ من فراغ، فثمار المشروع بدأت تؤتي أكلها بوضوح:
من بلوغ المنتخب المغربي نصف نهائي كأس العالم قطر 2022، إلى التتويج ببرونزية أولمبياد باريس 2024، ثم الفوز بكأس العالم للشباب في تشيلي 2025، مروراً بتألق المنتخبات الصغرى في مختلف البطولات القارية.
تكوين علمي.. وإنسانية قبل الاحتراف
يؤكد طارق الخزري، المسؤول عن قطب التكوين بالأكاديمية، في حوار مع “هسبورت”، أن النجاح الذي تحققه الكرة الوطنية “يعود إلى الرؤية المتبصرة لصاحب الجلالة الملك محمد السادس نصره الله، الذي جعل من التكوين القاعدي أولوية استراتيجية”.
ويضيف أن الأكاديمية “لا تخرّج لاعبين فحسب، بل تبني شخصيات متوازنة قادرة على النجاح داخل الملعب وخارجه”، مشيراً إلى أن “كل لاعب يعيش في الأكاديمية كما لو كانت منزله الثاني، حيث يجد الدعم النفسي والاجتماعي المستمر”.
أبطال من رحم الأكاديمية
من بين خريجي الأكاديمية الذين بصموا على إنجازات كبرى مع المنتخبات الوطنية:
-
فؤاد الزهواني، حسام الصادق، ياسر الزبيري، وياسين خليفي، أبطال كأس العالم لأقل من 20 سنة.
-
أربعة لاعبين شاركوا في ملحمة مونديال قطر 2022.
-
عشرات الأسماء التي تدرجت عبر مختلف الفئات لتصبح اليوم ركائز في الأندية الوطنية والعالمية.
توسع في الرؤية وتكامل في العمل
لم تتوقف المبادرة عند حدود الأكاديمية؛ إذ وسّعت الجامعة الملكية المغربية لكرة القدم نطاق التكوين بإحداث 14 مركزاً جهوياً عبر مختلف مناطق المملكة، إضافة إلى برامج موجهة لاكتشاف المواهب داخل المغرب وخارجه، خاصة في صفوف أبناء الجالية المغربية المقيمة في أوروبا.
ويختم الخزري بالقول: “الرهان اليوم هو الاستمرارية. نعمل على استقطاب المواهب من كل جهات البلاد، من الداخلة والعيون إلى وجدة وتارودانت، لأن مستقبل الكرة المغربية يبنى على قاعدة وطنية شاملة”.
نموذج إفريقي وعالمي
بفضل هذه المقاربة المتكاملة، تحولت أكاديمية محمد السادس من مشروع وطني إلى علامة عالمية في تكوين اللاعبين، وجعلت من المغرب نموذجاً قارياً يُحتذى به في الاستثمار في العنصر البشري، وإثبات أن التخطيط والعلم والانضباط يمكن أن يصنعوا المعجزة حتى في عالم الرياضة.

التعليقات مغلقة.