أول جريدة إلكترونية مغربية تتجدد على مدار الساعة

استراتيجية الاقتصاد الاجتماعي والتضامني بالمغرب

شاشا بدر

يشكل الاقتصاد الاجتماعي والتضامني في المغرب أحد أهم الخيارات التنموية التي تراهن عليها الدولة من أجل تحقيق تنمية عادلة ومتوازنة، لأنه لا يقتصر فقط على تحقيق الأرباح، بل يضع الإنسان في قلب العملية الاقتصادية، ويهدف إلى خلق فرص الشغل، وتحسين الدخل، ومحاربة الفقر والهشاشة، وتعزيز التضامن بين مختلف فئات المجتمع. وقد أصبح هذا النموذج الاقتصادي يحظى باهتمام متزايد، خاصة في ظل التحديات الاقتصادية والاجتماعية التي يعرفها العالم، والتي أثبتت أن الاقتصاد التقليدي وحده غير قادر على معالجة جميع المشاكل المرتبطة بالبطالة والفوارق الاجتماعية.

وتقوم استراتيجية الاقتصاد الاجتماعي والتضامني بالمغرب على دعم التعاونيات والجمعيات المهنية والمقاولات الاجتماعية، باعتبارها مؤسسات تساهم في خلق الثروة بطريقة جماعية وتوزيع المنافع بين الأعضاء، مع احترام مبادئ العدالة والتضامن والديمقراطية في التسيير. كما تعمل هذه الاستراتيجية على تشجيع المبادرات المحلية التي تستثمر في الموارد الطبيعية والبشرية لكل جهة، بما يساهم في تحقيق التنمية المجالية وتقليص الفوارق بين العالم الحضري والقروي.

ويعتبر القطاع التعاوني من أهم ركائز الاقتصاد الاجتماعي والتضامني بالمغرب، حيث شهد خلال السنوات الأخيرة تطوراً ملحوظاً في عدد التعاونيات التي تنشط في مجالات الفلاحة والصناعة التقليدية والصيد البحري وتثمين المنتجات المحلية والسياحة القروية والخدمات والاقتصاد الأخضر. وقد ساهم هذا التطور في خلق آلاف مناصب الشغل، خاصة لفائدة النساء والشباب، ومنحهم فرصة لتحقيق الاستقلال الاقتصادي وتحسين مستوى العيش.

كما تهدف الاستراتيجية إلى مواكبة حاملي المشاريع عبر التكوين والتأطير وتقديم الاستشارات والدعم التقني، حتى تصبح المشاريع أكثر قدرة على الاستمرار والمنافسة داخل الأسواق الوطنية والدولية. فنجاح أي تعاونية أو مقاولة اجتماعية لا يعتمد فقط على التمويل، بل يحتاج أيضاً إلى الحكامة الجيدة، والتخطيط، والتسويق، والابتكار، واستعمال التكنولوجيا الحديثة.

وتولي الاستراتيجية أهمية كبيرة للرقمنة، حيث أصبح من الضروري تمكين التعاونيات من إنشاء منصات إلكترونية لعرض منتجاتها وتسويقها داخل المغرب وخارجه، واستعمال وسائل الأداء الإلكتروني، والاستفادة من التجارة الرقمية التي أصبحت اليوم من أهم وسائل الوصول إلى المستهلكين. فالتحول الرقمي يفتح آفاقاً جديدة أمام الاقتصاد الاجتماعي والتضامني، ويمنحه قدرة أكبر على المنافسة والتوسع.

كما يشكل التمويل إحدى الركائز الأساسية لهذه الاستراتيجية، إذ يحتاج أصحاب المشاريع إلى تسهيلات مالية وقروض بشروط مناسبة وصناديق دعم خاصة بالمقاولات الاجتماعية، حتى يتمكنوا من إطلاق مشاريعهم أو تطويرها. لذلك فإن توفير آليات تمويل مرنة يعتبر عاملاً أساسياً لإنجاح الاقتصاد الاجتماعي والتضامني وتحقيق أهدافه.

ومن بين الأهداف الكبرى لهذه الاستراتيجية أيضاً تثمين المنتجات المحلية المغربية، مثل زيت الأركان، والزعفران، والعسل، والتمور، والأعشاب الطبية والعطرية، والمنتجات المجالية الأخرى، من خلال تحسين الجودة، والحصول على شهادات المطابقة، وتطوير التغليف، وتعزيز التسويق الداخلي والخارجي، بما يرفع من قيمتها الاقتصادية ويزيد من مداخيل المنتجين.

ولا تقتصر أهمية الاقتصاد الاجتماعي والتضامني على الجانب الاقتصادي فقط، بل يمتد أثره إلى الجانب الاجتماعي، إذ يساهم في إدماج النساء والشباب والأشخاص في وضعية هشاشة والأشخاص في وضعية إعاقة داخل الدورة الاقتصادية، ويمنحهم فرصاً حقيقية للعمل والإنتاج والمشاركة في التنمية، مما يعزز العدالة الاجتماعية ويقوي التماسك المجتمعي.

كما يساهم هذا النموذج في حماية البيئة من خلال تشجيع المشاريع الخضراء، وإعادة تدوير النفايات، والمحافظة على الموارد الطبيعية، وترشيد استهلاك المياه والطاقة، وتشجيع الفلاحة المستدامة، وهو ما يجعله متوافقاً مع أهداف التنمية المستدامة التي تسعى إلى تحقيق التوازن بين التنمية الاقتصادية والحفاظ على البيئة.

وتتطلب هذه الاستراتيجية تعزيز الشراكة بين مختلف المتدخلين، من قطاعات حكومية وجماعات ترابية ومؤسسات عمومية وجامعات ومراكز البحث والقطاع الخاص والمجتمع المدني، لأن نجاح الاقتصاد الاجتماعي والتضامني مسؤولية مشتركة تستدعي التنسيق وتوحيد الجهود.

ومن الضروري كذلك نشر ثقافة الاقتصاد الاجتماعي والتضامني داخل المؤسسات التعليمية والجامعات، حتى يكتسب الشباب ثقافة المبادرة والعمل الجماعي وريادة الأعمال الاجتماعية، ويصبحون أكثر استعداداً لإطلاق مشاريع مبتكرة تستجيب لحاجيات المجتمع وتخلق قيمة اقتصادية واجتماعية في الوقت نفسه.

كما أن تطوير التشريعات المنظمة لهذا القطاع، وتبسيط المساطر الإدارية، وتسريع إجراءات إنشاء التعاونيات والمقاولات الاجتماعية، وتحفيز الاستثمار فيها، كلها عوامل تساهم في خلق بيئة مناسبة لنمو هذا القطاع ورفع مساهمته في الاقتصاد الوطني.

إن مستقبل الاقتصاد الاجتماعي والتضامني بالمغرب يبقى واعداً إذا استمرت الجهود في دعم التعاونيات والمقاولات الاجتماعية، وتوسيع مجالات نشاطها، وتشجيع الابتكار، وربطها بالرقمنة والأسواق الدولية، لأن هذا القطاع لا يخلق الثروة فقط، بل يساهم أيضاً في بناء مجتمع أكثر عدالة وتضامناً وتوازناً، ويجعل التنمية تصل إلى مختلف المناطق والفئات، وهو ما يشكل أساساً لتحقيق تنمية شاملة ومستدامة تعود بالنفع على الوطن والمواطن

التعليقات مغلقة.