سلطت مجموعة البنك الدولي الضوء على واحدة من أكثر القضايا الاقتصادية إلحاحاً في المغرب: ضعف مشاركة المرأة في سوق العمل على الرغم من التحسن الملحوظ في مؤشرات التعليم والصحة بين النساء. ويشير التقرير المعنون بـ “العمل والنساء: المواهب غير المستغلة والنمو غير المحقق” إلى أن هذه المعضلة تحرم المملكة من طاقات بشرية هائلة يمكنها دفع عجلة النمو الاقتصادي والتنمية بشكل كبير.
تكشف البيانات عن صورة واقعية مثيرة للقلق، حيث يُصنف معدل مشاركة الإناث في القوى العاملة بالمغرب من بين أقل المعدلات في العالم بل إنه ينخفض عما كان عليه قبل عقدين من الزمن . ففي عام 2018، كان معدل مشاركة النساء في القوى العاملة بالمغرب 21.6% فقط، مما يعني أن 78.4% من المغربيات بين 15 و65 عاماً لا يعملن ولا يبحثن عن عمل .
وإذا كان الوضع مقلقاً بهذا الشكل، فإن الاتجاه التصاعدي لتراجع المشاركة النسوية يزيد الأمر تعقيداً. فالمغرب من بين عدد محدود من البلدان في المنطقة الذي سجل انخفاضاً مطرداً في مشاركة النساء، حيث بلغت الذروة 26.3% عام 2004 ثم تراجعت إلى حوالي 20% في عام 2022 . وهذا يعني أن المغرب شهد “انخفاض معدل مشاركة النساء في قوة العمل لأطول فترة زمنية” مقارنة ببلدان المنطقة .
ذ
تزيد هذه الصورة قتامة عندما نضع في الاعتبار الاستثمار الكبير في تعليم المرأة المغربية خلال العقود الماضية. فمن المنطقي أن يؤدي ارتفاع مستوى التعليم بين النساء إلى زيادة مشاركتهن في سوق العمل، لكن الواقع المغربي يخالف هذه القاعدة.
ويسجل التقرير مفارقة واضحة: “ارتفاع التحصيل العلمي للنساء يعني المزيد من المشاركة، على الرغم من تراجع هذه العلاقة بمرور الوقت” . والأكثر إثارة للدهشة أن معدل مشاركة النساء الحاصلات على تعليم عالٍ في المغرب انخفض من 70% إلى 60%، وهي ظاهرة تشارك فيها المغرب مع دول أخرى في المنطقة مثل مصر وإيران .
يكشف التقرير عن وجود سوقين مختلفتين للعمل في المغرب: الأولى في المناطق الحضرية، حيث يرتفع معدل التشغيل والمشاركة من الجنسين، وأخرى في المناطق القروية، حيث يرتفع معدل عدم مشاركة النساء ارتفاعاً حاداً ويقل نسبياً بين الرجال لكنه آخذ في التزايد .
هذه الثنائية تعكسها أيضاً الفجوة المستمرة بين الجنسين والتي تصل إلى 50 نقطة مئوية، حيث تتبع ديناميكيات مختلفة في المناطق الحضرية والريفية .
العوامل الاجتماعية والثقافية
تبحث الورقة البحثية للبنك الدولي في الأسباب الكامنة وراء استمرار انخفاض مشاركة المرأة في القوى العاملة بالمغرب، وتكشف أن السلوكيات التقليدية تجاه عمل المرأة تلعب دوراً محورياً. فحين سُئل مغاربة عام 2011 بشأن مستوى موافقتهم على مقولة إنه “يجب أن يكون للرجال حق في الحصول على فرصة شغل أكبر مما للنساء حين تندر فرص الشغل”، فإن 75% من الرجال و47% من النساء أبدوا موافقتهم .
كما أن الزواج يحد من احتمال مشاركة المرأة في سوق العمل، حيث يقلص البقاء دون زواج من احتمال كون المرأة ضمن قوة الخاملين بواقع 30% في المناطق الحضرية، و20% في المناطق الريفية .
العوامل الأسرية والتعليمية
كشف التحليل أن تعليم رب الأسرة له تأثير عكسي على مشاركة المرأة، حيث أن “كلما حصل رب الأسرة على تعليم أفضل، زاد احتمال أن تظل المرأة خارج قوة العمل” .
كما أن وجود نساء أخريات عاطلات عن العمل داخل الأسرة يزيد من احتمال أن تكون المرأة ضمن الخاملين، وتزيد هذه التأثيرات بمرور الوقت في الريف والحضر على السواء .
الإطار القانوني والبنى التحتية
على الرغم من أن المغرب يمثل استثناءً لافتاً في المنطقة بحصوله على درجة أعلى على مؤشر “المرأة وأنشطة الأعمال والقانون” مقارنة بالدول الأخرى ذات مستويات الدخل المماثلة، إلا أن هذا التحسن القانوني لم ينعكس بشكل كامل على أرض الواقع .
ويشير التقرير إلى أن غياب آليات الحماية الفعالة من التحرش في أماكن العمل، ونقص خدمات رعاية الأطفال، ومشاكل النقل والتنقل الآمن تمثل عوائق رئيسية أمام مشاركة المرأة في سوق العمل .
يقدم البنك الدولي مجموعة من التوصيات لمعالجة هذه الإشكالية، أهمها:
توسيع خدمات رعاية الأطفال ميسورة التكلفة: حيث يظل هذا المدخل “غاية في الأهمية” وفقاً للتقرير .
تحسين وسائل النقل الآمنة: يمكن للاستثمارات التي “تعزز السلامة والموثوقية وتوسع نطاق خدمات النقل العام أن تسهم في توسيع نطاق فرص العمل المتاحة للنساء” .
تشجيع النساء على المناصب القيادية وريادة الأعمال: حيث “تُظهر الشركات التي تقودها النساء ميلا أكبر لتوظيف النساء وإعادة تشكيل ثقافة مكان العمل” .
إصلاح الأطر القانونية: مع التأكيد على أن “الإصلاح القانوني وحده لا يكفي” دون وجود آليات تنفيذ فعالة وتغير فعلي في الأعراف والتقاليد الاجتماعية .
يخلص التقرير إلى أن “المغرب لم يشهد بعد منفعة من مشاركة الإناث في القوى العاملة في زيادة التنمية” . وتؤكد روبرتا غاتي، كبيرة الاقتصاديين ومسؤولة المنطقة بالبنك الدولي، أن إزالة العوائق التي تحول دون حصول المرأة على الوظائف التي تتناسب مع مواهبها قد ترفع نصيب الفرد من الناتج المحلي الإجمالي بنسبة تتراوح بين 20 إلى 30% في بعض الاقتصادات بالمنطقة .

التعليقات مغلقة.