أول جريدة إلكترونية مغربية تتجدد على مدار الساعة

المجلس الوطني لحقوق الإنسان يحسم الجدل: لا وصاية على الصحافة والتنظيم الذاتي هو الحل

بقلم : الأستاذ محمد عيدني

بقلم : الأستاذ محمد عيدني

لم يعد هناك متّسع للمناورة أو تبرير الصيغ الحكومية المثيرة للجدل. فالمذكرة الأخيرة الصادرة عن المجلس الوطني لحقوق الإنسان بخصوص مشروع قانون إعادة تنظيم المجلس الوطني للصحافة، وضعت النقاط على الحروف، وأغلقت الباب أمام أي تأويل يُشرعن الوصاية على الإعلام.

المجلس، باعتباره مؤسسة دستورية مستقلة ومرجعية حقوقية، أعاد النقاش إلى سكّته الطبيعية: الحرية أولاً، التنظيم الذاتي المستقل معياراً، والحق في الوصول إلى المعلومات جوهر المنظومة الإعلامية. وهي مبادئ غابت عن المشروع الحكومي الحالي، الذي أثار اعتراضات واسعة من الفاعلين الإعلاميين والحقوقيين.

الدستور مرجع لا يقبل الالتفاف:

أكدت المذكرة أن الفصل 28 من الدستور المغربي يكرّس حرية الصحافة كحق قائم بذاته، وأن أي محاولة لإخضاع هذه الحرية لمنطق الترخيص أو المنع القبلي تمثل خرقاً صريحاً للدستور. فالمسؤولية، بحسب الوثيقة، يجب أن تكون لاحقة وليست سابقة، أي أن الخطأ يعالج بالمحاسبة الأخلاقية والمهنية، لا بالمنع المسبق أو الوصاية.

كما ذكّرت المذكرة بالفصل 27 الذي يجعل من الحق في الحصول على المعلومات واجباً دستورياً على السلطات، وليس مجرد امتياز إداري تمنحه متى شاءت. فالصحافي، في جوهر العملية الديمقراطية، يمارس وظيفة رقابية لا تستقيم من دون انسياب حر للمعلومة.

ضد الاحتكار ومنطق الإقصاء:

المذكرة لم تكتف بالدفاع عن الحريات، بل وقفت أيضاً عند الجانب البنيوي للتنظيم. فقد رفضت بشكل قاطع أي محاولة لاحتكار التمثيلية المهنية أو إقصاء التعددية، محذّرة من خطورة تمركز الملكية الإعلامية وتداخل المصالح السياسية والاقتصادية في التحكم بوسائل الإعلام.

وانسجاماً مع المعايير الأوروبية، أوصت المذكرة بسن تشريعات مضادة للاحتكار، ووضع آليات لمراقبة السوق الإعلامي، ودعم الإعلام غير الربحي لتوسيع فضاءات التعبير.

تركيبة متوازنة للمجلس:

في ما يخص البنية التنظيمية للمجلس الوطني للصحافة، قدّمت المذكرة تصوراً واضحاً: تركيبة متوازنة من 21 عضواً (7 ناشرين، 7 صحافيين، 7 مستقلين من المجتمع المدني والمؤسسات الدستورية)، مع تمثيل نسبي يضمن التعددية ويقطع مع منطق “الغالب يأخذ كل شيء”.

كما أوصت بحذف فئة “الناشرين الحكماء”، وفصل مهام التسيير عن هيئة الأخلاقيات، على أن تكون هذه الأخيرة مكوّنة أساساً من مستقلين، وتلتزم بنشر مقرراتها معلّلة وبشفافية.

حرية الإعلام لا الصحافة فقط:

خطوة لافتة في المذكرة تمثلت في توسيع نطاق الحرية ليشمل الإعلام الرقمي ومنصات المحتوى الجديدة، شريطة احترام معايير موضوعية من قبيل حجم الإنتاج، العقود المهنية، والالتزام بأخلاقيات النشر. وبهذا الطرح، لم تعد الحرية حبيسة قوالب تقليدية، بل امتدت لتستوعب التحولات الرقمية المتسارعة.

العدالة الجنائية والممارسة الصحفية:

المجلس حذّر من إخضاع الصحافة لنصوص جنائية فضفاضة تُنتج ما يعرف بالأثر الردعي (chilling effect)، الذي يربك الحد الفاصل بين الخطأ المهني والفعل المجرّم. وطالب بتحديد دقيق لمفهوم “النظام العام”، وحصر حالات سحب بطاقة الصحافة في ظروف استثنائية منصوص عليها بمرسوم واضح، مع ضمان حقوق الدفاع والطعن.

الاستقلالية الاقتصادية شرط أساسي:

لم تغفل المذكرة الإشكاليات الاقتصادية التي تواجه المقاولات الصحفية، مشددة على أن الحرية لا يمكن أن تزدهر من دون استدامة مالية. ودعت إلى سياسات عمومية ذكية تعيد التوازن للسوق الإعلامي، بعيداً عن منطق الريع، حتى تظل الصحافة قادرة على أداء دورها الرقابي بفعالية.

لحظة مفصلية للتشريع:

المحصلة واضحة: المشروع الحكومي بصيغته الحالية فقد شرعيته الأخلاقية والحقوقية، والآن فقد أيضاً غطاءه المؤسساتي. الطريق المنتج الوحيد هو إعادة صياغة النص من الجذر، وفق ما رسمته المذكرة: حرية قبل ترخيص، تعددية قبل احتكار، وتنظيم ذاتي قبل أي وصاية.

وتزداد أهمية هذه التوصيات في ظل النقاشات البرلمانية الجارية، حيث ينتظر أن يناقش مجلس المستشارين النص مجدداً، بعد أن استمع إلى آراء شخصيات وازنة من داخل المشهد النقابي والسياسي، بينهم النعم ميارة، الذي شدد بدوره على الحرية والتعددية والتمثيل السليم للصحافيين.

إنها لحظة مفصلية: إما أن يلتقط المشرّع الإشارة من مؤسسة دستورية مشهود لها بالاستقلالية والاختصاص، ويعيد بناء الإطار القانوني للصحافة والإعلام بما يواكب روح الدستور والمعايير الدولية، أو يصرّ على مكابرة تُهدر الوقت وتعمّق الفجوة بين خطاب “الاختيار الديمقراطي” وواقع تضييق المجال العمومي.

التعليقات مغلقة.