كشفت دراسة حديثة للمجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي عن أزمة عميقة تواجه عصب الاقتصاد المغربي، المتمثل في المقاولات المتناهية الصغر والصغيرة والمتوسطة، حيث باتت هذه الفئة تواجه خطر الانهيار، مما يهدد استقرار النسيج الاقتصادي والاجتماعي في البلاد.
وحسب الدراسة، فإن هذه المقاولات، التي تمثل أكثر من 98% من النسيج المقاولاتي المنظم وتوفر أكثر من نصف مناصب الشغل المصرح بها، تعيش حالة من الركود والهشاشة، حيث لم تتجاوز نسبة تطورها نحو أحجام أعلى خلال الفترة بين 2017 و2022 سوى 0.2% فقط. هذه النسبة الضئيلة تعكس محدودية الأثر الاقتصادي لهذه الوحدات الانتاجية، رغم وزنها الكمي الكبير، مما يكشف عن إشكالات بنيوية تعيق تحولها إلى محركات حقيقية للنمو وخلق القيمة.
وتتجلى خطورة الأزمة في ارتفاع عدد الشركات التي أعلنت إفلاسها أو تعثرت خلال سنة 2024، حيث بلغت حوالي 15 ألفاً و600 مقاولة، أغلبها من الشركات الصغيرة جداً، وهو ما ينذر بموجة إغلاق واسعة وفقدان للوظائف، إن لم يتم تدارك الأمر بشكل عاجل.
وأرجعت الدراسة أسباب هذه الأزمة إلى جملة من التحديات، أبرزها ضعف بيئة الأعمال، ونقص الكفاءات التدبيرية، واعتماد أساليب تسيير غير مهيكلة، إضافة إلى غياب الابتكار وصعوبة الولوج إلى التمويل والقروض. كما تشكل المنافسة غير المتكافئة مع القطاع غير المهيكل، الذي يستحوذ على حصص سوقية كبيرة، عاملاً إضافياً يزيد من تضييق الخناق على هذه المقاولات.
وحذر المجلس من أن استمرار هذه الإشكالات دون معالجة جذرية سيؤدي إلى تفاقم حدة الأزمة، مؤكداً على أن إنقاذ هذا القطاع لم يعد رفاهية، بل ضرورة حتمية لضمان استدامة الاقتصاد الوطني.
وفي هذا الإطار، قدم التقرير جملة من التوصيات الهامة لإنقاذ القطاع، داعياً إلى إعادة بناء منظومة دعم المقاولات الصغيرة من خلال سن قانون موحد ينظم مختلف التدابير المرتبطة بها، وتسهيل المساطر الإدارية، وتسريع وتيرة التحول الرقمي، وتعزيز المواكبة غير المالية، إلى جانب تحسين الولوج إلى الصفقات العمومية وسلاسل القيمة الوطنية والدولية.
تشكل هذه التوصيات خارطة طريق لإعادة إحياء هذا القطاع الحيوي، الذي يمثل خط الدفاع الأول عن الاقتصاد المغربي، حيث أن تمكينه وتعزيز صموده هو ضمانة لحماية شريحة واسعة من الفاعلين الاقتصاديين، والارتقاء بدورهم المحوري في تحقيق التنمية المستدامة والعدالة الاجتماعية.

التعليقات مغلقة.