أول جريدة إلكترونية مغربية تتجدد على مدار الساعة

تاهلة.. مدينة منسية على هامش التنمية

بقلم: إدريس المؤدب

بقلم: إدريس المؤدب

رغم موقعها الاستراتيجي وقربها من مدينتي فاس وتازة، ما تزال مدينة تاهلة تعاني من تهميشٍ مزمنٍ وإقصاءٍ ممنهجٍ جعلها خارج خريطة التنمية الحقيقية. هذه المدينة، التي كانت في سبعينيات القرن الماضي تتباهى بمسبحٍ عمومي وسينما وملعبٍ لكرة القدم وآخر للتنس وشوارع مشجّرة ومياهٍ تتدفق عبر سواقي إسمنتية نحو أراضيها الفلاحية، أضحت اليوم شاهدة على خرابٍ عمراني وبؤسٍ تنموي، يختزل عقوداً من سوء التدبير وغياب الرؤية.

الزائر لتاهلة اليوم، وهي لا تبعد عن الطريق السيار سوى كيلومترين، يتفاجأ ببنيةٍ تحتيةٍ متهالكة وشوارع محفّرة وإنارةٍ منعدمة في أحياء كاملة. حتى ما كان يسمى “المدينة” لم ينجُ من مظاهر البداوة والعشوائية، إذ تغيب محطات الطاكسيات والحافلات المنظمة، وتُستغل الساحات الفارغة بشكل عشوائي يخلق فوضى يومية ومشاحنات بين المهنيين وأصحاب المقاهي والمتاجر.

من مسبح وسينما إلى سدٍّ مميت:

في غياب أي فضاء ترفيهي، أصبح سد باب لوطا، الواقع على بعد 12 كيلومتراً من تاهلة، الوجهة الوحيدة لشباب المنطقة خلال فصل الصيف، رغم خطورته وكونه “مقبرة مفتوحة” تبتلع سنوياً عدداً من الضحايا بسبب الغرق. مأساة تتكرر في صمت، تعكس غياب البدائل وحرمان الشباب من أبسط حقوق الترفيه الآمن.

نمو عمراني بلا تخطيط:

تاهلة، التي تجاوز عدد سكانها 28 ألف نسمة وفق إحصاء 2014، عرفت توسعاً عمرانياً غير متحكم فيه، حيث نبتت أحياءٌ عشوائية كالفطر على هامش المدينة. أغلب هذه الأحياء تفتقر إلى الربط بشبكة الصرف الصحي، وتعتمد على مطمورات بدائية تُهدد البيئة والفرشة المائية. أما الكهرباء والماء الصالح للشرب فهما امتيازٌ غير مضمون، خاصة في أحياء مثل حي التقدم، حيث يظل السكان معلقين بين جماعتي تاهلة ومطماطة، وسط غموض إداري وغياب لتحديد النفوذ الترابي بدقة.

تاريخ من المجالس المتعاقبة دون تغيير:

منذ عقود، توالى على تسيير الشأن المحلي في تاهلة عدد من أبنائها ومنتخبيها من مختلف الألوان السياسية، غير أن النتيجة واحدة: واقع متردٍّ لم يتغير. فالمجالس المنتخبة ظلت، كما يؤكد أحد الأعضاء القدامى، غارقة في الروتين الإداري، تكتفي بتوقيع الشواهد وتصريف الشؤون اليومية، دون أي رؤية تنموية واضحة أو مشاريع كبرى تضع المدينة على سكة التقدم.

أما المشاريع القليلة التي رأت النور، مثل إصلاح وتعشيب الملعب البلدي أو بناء القاعة المغطاة قرب إعدادية المجد، فقد توقفت أشغالها في منتصف الطريق دون مبررات معلنة، في مشهد يلخص العبث الإداري وغياب المحاسبة.

تجاوزات عمرانية واحتلال للملك العام:

المدينة تعيش اليوم فوضى عارمة في احتلال الملك العمومي، حيث تحوّلت الأرصفة إلى امتدادٍ طبيعي للمقاهي والدكاكين ومحلات بيع الألبسة والمواد الغذائية. النتيجة: شوارع تضيق بالراجلين والسيارات والعربات في آنٍ واحد، وحوادث سير متكررة تخلف ضحايا بسبب غياب التنظيم والردع.

بيئة ملوثة ونفايات متراكمة:

منظر الأزبال المتناثرة في الأزقة والشوارع صار مشهداً يومياً مألوفاً، في ظل عجز شاحنات النظافة عن الالتزام بجداول محددة للجمع. تتراكم الأكياس البلاستيكية، وتعبث بها الكلاب الضالة، فتتحول إلى بؤر تلوث وروائح كريهة، تعكس مستوى الإهمال الذي بلغته الخدمات الجماعية.

ضريبة على الخراب:

حتى المواطن الذي اقتنى قطعة أرضية لبناء بيتٍ يأويه، وجد نفسه مطوقاً بواجبٍ ضريبي على الأراضي غير المبنية، رغم غياب أي بنية تحتية تساعد على التعمير. ضريبة تحولت إلى “فزاعة” تجبر البسطاء على بيع ممتلكاتهم بأثمان بخسة، وتعمق معاناتهم في دوامة الكراء الدائم.

تاهلة اليوم ليست بحاجة إلى خطاباتٍ سياسيةٍ جديدة، بل إلى إرادةٍ حقيقية لإخراجها من الظل. مدينةٌ تختزن تاريخاً طويلاً وإمكانات بشرية وجغرافية مهمة، لكنها تعيش على هامش الاهتمام الرسمي، في انتظار من يعيد لها حقها في التنمية والكرامة الحضرية.

التعليقات مغلقة.