كشف ساركوزي عن جانب خفي من علاقات القادة التي تتجاوز السياسة والدبلوماسية الرسمية، أطل ، من بين سطور كتابه الجديد “يوميات سجين”، ليُعرِّف القراء على لحظة تضامن إنسانية عميقة، مصدرها المملكة المغربية.
الكتاب، الذي صدر عن دار “فايار” في ديسمبر 2025، يروي تفاصيل الثلاثة والعشرين يوماً التي قضاها ساركوزي خلف جدران سجن “لا سانتي” الباريسي، تنفيذاً لحكم قضائي أولي في قضية تمويل ليبي مزعوم لحملته الانتخابية. لكن بين صفحات سرد التجربة القاسية لرئيس دولة سابق يجد نفسه فجأة داخل الزنزانة، تبرز إضاءة إنسانية قوية.
يكشف ساركوزي أن الملك محمد السادس كان من أوائل القادة على مستوى العالم الذين بادروا بالاتصال به فور انتشار خبر تنفيذ الحكم في 21 أكتوبر 2025. ويسجل الرئيس الفرنسي السابق، بمشاعر واضحة، الأثر العميق لهذه المكالمة.
“كان يتحدث بصوت متأثر”، يكتب ساركوزي، مضيفاً: “عبّر لي بصدق عن حزنه وصدمته من وضعي. لمست في نبرته اهتماماً صادقاً أثّر فيّ كثيراً، خاصة وأنني أبادله التقدير نفسه منذ سنوات طويلة”. هذا الوصف لا يقدم فقط صورة عن طبيعة الاتصال الشخصي، بل يسلط الضوء على عمق العلاقة الثنائية التي تجاوزت في هذه اللحظة كل الاعتبارات الرسمية لترتكز على الأساس الإنساني.
يضع ساركوزي هذه الشهادة ضمن سياق أوسع لردود الفعل الدولية التي تلقاها أثناء محنته، إلا أنه يمنح رسالة التضامن القادمة من الرباط مكانة خاصة. هذا الموقف يكتسب أهمية رمزية كبيرة، خاصة في ظل الإجراءات القضائية غير المسبوقة بحق رئيس جمهورية فرنسي سابق، والتي أثارت جدلاً واسعاً داخل فرنسا وخارجها.
لا يقتصر كتاب “يوميات سجين” على هذه اللحظة العاطفية فحسب، بل يقدم وصفاً دقيقاً للحياة اليومية داخل السجن، وانعكاساتها النفسية على شخص اعتاد على قصور الرئاسة ومقاعد القمة العالمية. كما يكرس ساركوزي جزءاً كبيراً للدفاع عن موقفه القانوني، مؤكداً أن ملف القضية “خالٍ من أي دليل مادي يثبت التمويل الليبي”، ومعتبراً نفسه هدفاً لجهات سياسية وقضائية معينة.
ويذكر القارئ بأن الحكم الصادر ضده ليس نهائياً، حيث من المقرر أن يمثل أمام محكمة الاستئناف خلال عام 2026 لإعادة النظر في القرار، بعدما أمضى حوالي عشرين يوماً في السجن قبل الخروج بكفالة.
هذا الكشف يفتح الباب أمام قراءات متعددة. فمن ناحية، هو تأكيد على متانة العلاقات الشخصية بين القادة، وقدرتها على الصمود في وجه العواصف. ومن ناحية أخرى، قد يُنظر إليه كرسالة ضمنية عن قوة ومتانة التحالف الاستراتيجي بين المغرب وفرنسا، والذي يبدو أنه يعمل على مستويات متعددة، منها المستوى الإنساني الشخصي العميق، بغض النظر عن التقلبات السياسية أو الإعلامية.
ختاماً، تحولت مكالمة الملك محمد السادس، كما سجلها ساركوزي، من مجرد اتصال تعاطف إلى وثيقة إنسانية في كتاب، تذكر العالم بأن خلف القصور والمكاتب الرئاسية، ثمة قلوب تبقى حساسة تجاه معاناة الآخر، وأن الدبلوماسية الحقيقية تبدأ أحياناً بكلمة صدق وموقف إنساني في أحلك اللحظات.

التعليقات مغلقة.