عقار تجريبي يعكس أعراض التوحد في نموذج حيواني بجرعة واحدة
جريدة أصوات
أعلن فريق بحثي عن نجاح عقار تجريبي، يحمل الاسم الواعد “وعدة” (Waeda)، في عكس أعراض شبيهة بالتوحد في فئران التجارب بعد جرعة واحدة فقط.
وجاء هذا الإعلان في دراسة نشرتها دورية “علم الأدوية العصبية والنفسية” (Neuropsychopharmacology)، حيث سلطت الضوء على آلية عمل جديدة تستهدف استعادة التوازن في نشاط الدماغ.
تقوم الفكرة الأساسية للدراسة على فرضية أن بعض أشكال التوحد قد تنشأ عن خلل في التوازن بين الإشارات العصبية “المثبطة” (Inhibitory) وتلك “المثيرة” (Excitatory) في الدماغ. ووجد الباحثون، في نموذج الفئران الذي يعاني من أعراض شبيهة بالتوحد، أن هناك زيادة ملحوظة في نشاط بروتين معين يسمى mGluR5، الذي يعمل كأحد المنظمين الرئيسيين للإثارة العصبية.
هذا النشاط المفرط يعمل كـ “مفتاح تشغيل” عالق في وضعية “التشغيل”، مما يؤدي إلى اختلال التوازن وزيادة الإثارة العصبية، والتي تُترجم إلى سلوكيات مرتبطة بالتوحد.
دواء “وعدة” هو عبارة عن مثبط انتقائي (Negative Allosteric Modulator) للبروتين mGluR5. بعبارة مبسطة، يعمل الدواء كـ “مفتاح إيقاف” كيميائي يقلل بشكل عكسي من النشاط المفرط لهذا البروتين دون أن يعطله تماماً.
بعد جرعة واحدة فقط من الدواء، لاحظ الباحثون:
عودة السلوكيات الطبيعية: اختفت السلوكيات النمطية المتكررة (مثل الاستمالة المفرطة) وتحسنت التفاعلات الاجتماعية لدى الفئران.
استعادة التوازن العصبي: عاد النشاط الكهربائي في الدماغ إلى مستواه الطبيعي، مما يدل على تصحيح الخلل الأساسي.
استمرار المفعول: استمرت هذه الآثار الإيجابية لفترة طويلة تتجاوز فترة وجود الدواء كيميائياً في الجسم، مما يشير إلى أن الدواء قام “بإعادة ضبط” النظام العصبي بدلاً من مجرد تخفيف الأعراض مؤقتاً.
صرحت الدكتورة سارة علي، الباحثة الرئيسية في الدراسة: “ما رأيناه مذهل. لم نقم بإخماد الأعراض، بل يبدو أننا صححنا الخلل العصبي الأساسي الذي يسببها. إن فكرة إعادة ضبط الدوائر العصبية بجرعة واحدة كانت هدفنا النظري، ورؤيتها تتحقق على أرض الواقع أمر يعزز الأمل بشكل كبير” كل النتائج الحالية مستمدة من نماذج حيوانية. وما ينجح في الفئران قد لا ينجح تلقائياً في البشر.
التوحد ليس مرضاً واحداً، بل هو طيف واسع من الاضطرابات ذات causes الأسباب والآليات المتنوعة. حتى إذا نجح الدواء، فقد يكون فعالاً فقط للأشخاص الذين يعانون من خلل في مسار mGluR5 المحدد.
يجب أن يخضع العقار لسنوات من التجارب السريرية على البشر لتأكيد سلامته وفعاليته، وهو مسار محفوف بالتحديات ولا تؤدي جميع الأدوية التجريبية إلى نجاحه.
يمثل عقار “وعدة” نهجاً علمياً جديداً ومثيراً يتحول من مجرد إدارة الأعراض إلى استهداف الآلية البيولوجية الجذرية المحتملة للاضطراب. بينما لا يزال الطريق طويلاً قبل أي تطبيق سريري محتمل، فإن هذه الدراسة تشعل شمعة أمل في نفق الأبحاث، وتذكرنا بأن كل دواء ناجح بدأ يوماً ما كفكرة جرئية في مختبر بحثي.
يترقب المجتمع العلمي والعائلات حول العالم الخطوات القادمة لهذا البحث، على أمل أن تتحول “وعدة” من مجرد اسم رمزي إلى حقيقة علاجية تغير حياة الملايين.

التعليقات مغلقة.