بعد غياب استمر أسبوعين، عاد وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف (75 عاماً) إلى الواجهة، لكن فترة اختفائه أثارت موجة من التكهنات حول مكانته في دوائر صنع القرار الروسية. فما قصة هذا الغياب، وهل يعكس تحولاً خلف الكواليس؟
لطالما كان لافروف أحد أبرز وجوه الدبلوماسية الروسية والعالمية، حيث شغل منصبه منذ عام 2004، وامتدت مسيرته الدبلوماسية إلى نصف قرن. لكن خلال الأسبوعين الماضيين، لاحظ المراقبون غيابه عن اجتماعات حاسمة، أبرزها اجتماع مجلس الأمن القومي الروسي، كما جرى استبداله بممثل آخر في قمة مجموعة العشرين المقبلة، وهو ما اعتبر خروجاً عن المألوف.
كما امتنعت الخارجية الروسية عن الكشف عن أجندة لافروف طوال هذه الفترة، مما أضاف غموضاً إضافياً إلى الوضع.
ربطت تقارير إعلامية غربية، أبرزها تقرير لصحيفة “فايننشال تايمز”، بين غياب لافروف وفشل الترتيب لقمة بودابست بين الرئيسين الروسي فلاديمير بوتين والأميركي دونالد ترامب. ونقلت الصحيفة عن مصادر أن واشنطن ألغت القمة بعد تلقّيها رسالة من الخارجية الروسية تؤكد تمسك موسكو بمطالبها المتشددة بشأن أوكرانيا.
كما أشارت تقارير إلى أن المحادثة الهاتفية بين لافروف ونظيره الأميركي ماركو روبيو في 20 أكتوبر/تشرين الأول قد قوضت جهود عقد القمة، مما أثار استياء الكرملين، خاصة أن بوتين كان يعوّل على هذه القمة كإنجاز دبلوماسي.
من جانبها، نفت موسكو بشدة وجود أي خلاف بين بوتين ولافروف، ووصفت التقارير الغربية بأنها جزء من “حرب هجينة” تشنها النخب الغربية. وأكد المتحدث باسم الكرملين ديمتري بيسكوف أن “لا شيء صحيح في هذه التقارير”.
بدوره، هاجم لافروف وسائل الإعلام البريطانية، واصفاً تقاريرها بـ”الأكاذيب”، موضحاً أن الوثيقة التي تحدثت عنها “فايننشال تايمز” كانت مسودة غير رسمية حول تفاهمات قمة ألاسكا، وليست مذكرة رسمية.
لم تستبعد تحليلات أخرى أسباباً مختلفة وراء غياب لافروف، منها صحته، خاصة بعد أن شهدت قمة بالي 2022 تكهنات مماثلة. كما أشار مراقبون إلى ظهور شخصيات منافسة داخل الدوائر الروسية، أبرزها كيريل دميترييف، رئيس صندوق الثروة السيادية والمقرّب من ابنة بوتين، والذي تولّى مهام اتصال مع الأميركيين بدلاً من لافروف في بعض الأحيان.
وفي هذا الإطار، لاحظ مراقبون أن التوتر بين لافروف ودميترييف ليس خفياً، حيث حاول الوزير إبعاده من محادثات الرياض في فبراير/شباط الماضي، قبل أن يتدخل بوتين ليعيده.
رغم كل التكهنات، يبقى لافروف دبلوماسياً مخضرماً خدم النظام الروسي لسنوات طويلة، وقد نجا سابقاً من عواصف سياسية عديدة. لكن الغياب الأخير، إلى جانب تزايد نفوذ شخصيات بديلة، يطرح تساؤلات حول مستقبله في المشهد السياسي المتغير.
في النهاية، تبقى العلاقة بين بوتين ولافروف محط أنظار المراقبين، حيث يمثل الوزير رمزاً للاستمرارية في السياسة الخارجية الروسية، بينما تتحرك الرياح السياسية في موسكو باتجاهات قد تعيد رسم التحالفات.

التعليقات مغلقة.