مع بلوغ كأس إفريقيا للأمم بالمغرب مراحلها الحاسمة داخل المستطيل الأخضر، تنشغل الجماهير بمتعة المنافسة وتشويق النتائج، غير أن خلف هذا المشهد الاحتفالي تختبئ قصة أخرى أقل بريقًا وأكثر تعقيدًا، حيث تتحول البطولة إلى مشروع اقتصادي ضخم تُدار مفاصله بمنطق الشركات وتعظيم الأرباح، لا بمنطق التنمية أو المصلحة العامة.
في غضون أسابيع قليلة، تُعاد هيكلة وتدوير مداخيل تُقدَّر بما يقارب مليار دولار، مصدرها حقوق البث التلفزيوني، عقود الرعاية، والإعلانات التجارية. ورغم ضخامة هذه الأرقام، فإن الدولة المستضيفة والمواطن لا يحظيان بنصيب وازن من هذه الكعكة المالية، بل يظلان في موقع الممول أكثر من المستفيد.
الدولة المنظمة تتحمل العبء الأكبر من خلال استثمارات هائلة في تشييد وتأهيل الملاعب، وتطوير البنية التحتية، وتأمين النقل والأمن والخدمات اللوجستية، وغالبًا ما يتم ذلك عبر تمويل عمومي مباشر. غير أن العائدات المباشرة التي تعود على خزينة الدولة تبقى محدودة، ولا تغطي سوى جزء بسيط من الكلفة الإجمالية. ومع إسدال الستار على البطولة، تتحول عدة منشآت رياضية إلى مرافق شبه معطلة، تستهلك ميزانيات إضافية للصيانة دون مردودية حقيقية، في تجسيد صارخ لما يُعرف اقتصاديًا بـ“ظاهرة الفيل الأبيض”.
في المقابل، يبرز الاتحاد الإفريقي لكرة القدم كأكبر المستفيدين من هذا الحدث، إذ يجني عائدات مالية ضخمة دون أن يتحمل أعباء استثمارية أو مخاطر بنيوية. كما تستفيد “الفيفا” بشكل غير مباشر من خلال توسيع السوق الإفريقية، ورفع القيمة التجارية للاعبين، وتعزيز جاذبية القارة في منظومة كرة القدم العالمية.
ولا يقل نصيب الشركات متعددة الجنسيات أهمية، سواء تلك العاملة في مجالات البث والتسويق، أو الطاقة والاتصالات، حيث تحقق أرباحًا كبيرة مستفيدة من الذروة الجماهيرية وارتفاع معدلات الاستهلاك خلال فترة البطولة.
أما اللاعبون، فيمثلون الرابح الفردي الأبرز، إذ ترتفع قيمتهم السوقية، وتزداد فرص انتقالهم إلى أندية أكبر بعقود أكثر ربحًا. وعلى النقيض من ذلك، يبقى المواطن الحلقة الأضعف في هذه السلسلة، إذ يموّل الحدث بشكل غير مباشر عبر المال العام، ولا يجني في أحسن الأحوال سوى انتعاش اقتصادي ظرفي سرعان ما يتلاشى بانتهاء المنافسات.
هكذا، يتأكد أن كأس إفريقيا للأمم، رغم رمزيتها الرياضية ووحدتها الوجدانية للقارة، ليست مجرد تظاهرة كروية بريئة، بل هي في جوهرها معادلة اقتصادية غير متوازنة، تتكدس فيها الأرباح بعيدًا عن الدولة المستضيفة، بينما يبقى السؤال مطروحًا حول جدوى هذا النموذج وقدرته على تحقيق تنمية مستدامة حقيقية تتجاوز صافرة النهاية.

التعليقات مغلقة.