اعتمد مجلس الأمن الدولي مساء الاثنين مشروع القرار الأمريكي المعدل الذي يؤيد خطة الرئيس دونالد ترامب المكونة من 20 نقطة لإنهاء النزاع في القطاع. وجاء التصويت بـ13 صوتاً لصالح القرار، بينما امتنعت كل من روسيا والصين عن التصويت دون استخدام حق النقض.
يأتي القرار الدولي الجديد ليعتمد “الخطة الشاملة” التي أعلنها ترامب في 29 سبتمبر/أيلول 2025، والتي تشكل رؤية أمريكية شاملة لمرحلة ما بعد الحرب في غزة. وتتضمن هذه الخطة مجموعة من الإجراءات السياسية والأمنية والاقتصادية المترابطة التي تهدف إلى تحقيق الاستقرار الدائم في القطاع.
الهيكل الإداري الانتقالي الذي أقرّه القرار يتمثل في إنشاء “مجلس السلام” كهيئة إدارية انتقالية ذات شخصية قانونية دولية، سيشرف على عملية إعادة إعمار غزة حتى استكمال برنامج إصلاح السلطة الفلسطينية. ويلزم القرار مجلس السلام بالعمل وفقاً لمبادئ القانون الدولي، مع تحديد نهائي لولايته في 31 ديسمبر/كانون الأول 2027 ما لم يقرر المجلس خلاف ذلك.
في الجانب الأمني، يجيز القرار إنشاء “قوة استقرار دولية مؤقتة” في قطاع غزة تعمل تحت قيادة موحدة يقبلها مجلس السلام، وبالتنسيق مع مصر وإسرائيل. وتمنح القرار لهذه القوة الحق في “استخدام كل الإجراءات اللازمة وفق القانون الدولي” لتنفيذ مهامها التي تشمل تجريد غزة من السلاح وحماية المدنيين وتدريب وتأهيل الشرطة الفلسطينية والمساعدة في تأمين الممرات الإنسانية مع مراقبة تنفيذ وقف إطلاق النار
كما ينص القرار على أن قوات الجيش الإسرائيلي ستنسحب من غزة “وفق معايير وجدول زمني متفق عليه” مع تقدم القوة الدولية في السيطرة على الوضع الأمني.
يضع القرار لأول مرة منذ سنوات إطاراً سياسياً واضحاً للمستقبل، حيث يشير إلى أن استكمال إصلاح السلطة الفلسطينية والتقدم في إعادة الإعمار قد يهيئان الظروف لـ”مسار نحو تقرير المصير والدولة الفلسطينية”. كما يفتح الباب أمام حوار أمريكي بين الأطراف حول “الأفق السياسي” للتعايش السلمي.
وفي الجانب الاقتصادي، يؤكد القرار على ضرورة استئناف دخول المساعدات الإنسانية إلى قطاع غزة بالتعاون مع مجلس السلام، وضمان أن يقتصر استخدامها على الأغراض السلمية. كما يوجه دعوة للبنك الدولي والمؤسسات المالية الدولية لدعم إعادة إعمار غزة وإنشاء صندوق مخصص لهذا الغرض.
قال المندوب الروسي فاسيلي نيبينزيا إن بلاده لم تستطع دعم القرار لأنه “لا يؤكد على حل الدولتين”، معتبراً أن هذه “ليست مسألة نظرية، بل مسألة عملية للغاية”. وأعرب عن قلقه من أن القرار “يسمح لمجلس السلام وقوة الاستقرار الدولية بالتصرف باستقلالية مطلقة دون أي اعتبار لموقف أو رأي السلطة الفلسطينية”، مما قد يرسخ فصل قطاع غزة عن الضفة الغربية المحتلة.
بدوره، قال مندوب الصين الدائم لدى الأمم المتحدة فو تسونغ إن القرار “يحدد ترتيبات حوكمة غزة بعد الحرب، لكن يبدو أن فلسطين غائبة عنه تماماً، وأن السيادة الفلسطينية وملكية الفلسطينيين لا تنعكسان بشكل كامل”. وأعرب عن قلقه من أن مشروع القرار “لم يؤكد صراحة الالتزام الراسخ بحل الدولتين كإجماع دولي”.
السلطة الفلسطينية رحبت باعتماد القرار وأكدت جاهزيتها لمواكبة التنفيذ وتولي مسؤولياتها كاملة. وشددت على “ضرورة العمل فوراً على تطبيق القرار الأممي بما يضمن عودة الحياة الطبيعية، وحماية شعبنا في قطاع غزة ومنع التهجير، والانسحاب الكامل لقوات الاحتلال وإعادة الإعمار”.
كانت قد قبلت الخطة الأمريكية الأصلية، لكن رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو أبدى غضبه من اللغة التي أضيفت حول المسار مع تأكيده على معارضته لأي محاولة لإنشاء دولة فلسطينية.
يأتي هذا القرار في سياق الجهود الدولية المتعددة لحل الصراع الفلسطيني-الإسرائيلي، ومنها القرار الأممي التاريخي 2334 الصادر عام 2016 الذي أكد على عدم شرعية المستوطنات الإسرائيلية . كما يأتي بعد أشهر من الرأي الاستشاري لمحكمة العدل الدولية في يوليو/تموز 2024 الذي تناول العواقب القانونية الناشئة عن سياسات وممارسات إسرائيل في الأراضي الفلسطينية المحتلة .
مع اعتماد هذا القرار، تدخل عملية السلام في مرحلة جديدة تعتمد على تنفيذ خطة متعددة الأبعاد تجمع بين الإصلاح السياسي والأمني والاقتصادي. ورغم التحفظات الروسية والصينية، يمثل القرار إجماعاً دولياً على ضرورة إنهاء معاناة الشعب الفلسطيني في غزة والذهاب إلى مسار سياسي يقود إلى تحقيق السلام والأمن والاستقرار في المنطقة.
تبقى التحديات قائمة في طريق تنفيذ هذه الخطة الطموحة، خاصة في ظل التعقيدات الأمنية على الأرض والخلافات السياسية بين الأطراف المعنية. لكن القرار يمثل فرصة تاريخية لإنهاء واحدة من أطول وأعقد الأزمات في الشرق الأوسط.

التعليقات مغلقة.