تونس :مواجهة بين سعيّد والاتحاد العام للشغل تهدد الاستقرار
جريدة أصوات
في تصعيد يُنذر بموجة جديدة من التوتر السياسي والاجتماعي، دخل الرئيس التونسي قيس سعيّد في مواجهة مفتوحة مع الاتحاد العام التونسي للشغل، أبرز منظمة نقابية في البلاد وأحد ركائز المجتمع المدني منذ عقود. الأزمة، التي اندلعت بعد إضراب قطاع النقل الأخير، كشفت عن عمق الخلاف بين السلطة والنقابة، وسط مخاوف من تداعياتها على الديمقراطية الهشة في تونس.
تصاعدت الأزمة بعد تظاهرة نظمها محتجون أمام مقر الاتحاد في تونس العاصمة، وصفها قادة النقابة بأنها “محاولة لاقتحام المقر بدعم من أنصار الرئيس”. لكن سعيّد رد في خطاب متلفز بأن المحتجين “يطالبون بمحاسبة الفاسدين”، ملمحًا إلى اتهامات غير مباشرة للاتحاد بالفساد: “لن تكون هناك حصانة لأحد”.
اللغة الحادة من الجانبين تعكس استعدادًا للمواجهة، خاصة بعد قرار الحكومة إلغاء نظام “التفرغ النقابي”، الذي يسمح لقيادات النقابة بممارسة عملهم بدوام كامل، وهو ما يراه مراقبون “ضربة لاستقلالية الاتحاد”.
لم تكن ردود الفعل الدولية غائبة. فمنظمة “هيومن رايتس ووتش” حذّرت من أن “النقابات أصبحت الهدف الجديد بعد الأحزاب والصحفيين”، فيما وصف محللون خطاب سعيّد بأنه “تهديد مبطَن” قد يفتح الباب لملاحقات قضائية ضد قيادات نقابية.
من جهته، يرى المؤرخ عبد اللطيف الحناشي أن الأزمة تتجاوز الخلاف العابر، بل هي جزء من “مشروع سعيّد لإضعاف الأجسام الوسيطة”، في إشارة إلى الأحزاب والنقابات التي تعتبرها الرئاسة معرقلة لسياساتها.
رفض الاتحاد الانصياع للضغوط، معلنًا عن مسيرة كبرى الخميس المقبل تحت شعار “الدفاع عن الاستقلالية”، مع تلميحات إلى إضراب عام إذا استمر التصعيد. وقال أمينه العام نور الدين الطبوبي: “لسنا من سيُكمّم أفواهنا.. والقضاء هو من يجب أن يحكم في تهم الفساد”.
لكن التحدي الأكبر للاتحاد قد يكون داخليًا، حيث اعترف الطبوبي بوجود “خلافات صحية” داخل المنظمة، في إشارة إلى انقسامات قد تُضعف موقفها أمام الضغوط الرئاسية.
التوتر الحالي ليس جديدًا. فالاتحاد، الذي تأسس عام 1946، كان دائمًا في صدام مع السلطة: من مقاومة الاستعمار الفرنسي إلى نظامي بورقيبة وبن علي، وصولًا إلى دوره المحوري في ثورة 2011، حيث حصل على جائزة نوبل للسلام لمساهمته في إنقاذ الانتقال الديمقراطي.
لكن جزءًا من الرأي العام التونسي، خاصة في ظل الأزمة الاقتصادية الحادة، يرى أن إضرابات الاتحاد المتكررة — خاصة في قطاع الفوسفات — ساهمت في تفاقم الأزمات. وهو ما يستغله سعيّد لتعزيز شرعيته الشعبوية.
ماذا بعد؟ سيناريوهات بين الانفراج والانفجار في ظل غياب حوار واضح، يرى مراقبون أن البلاد أمام أحد سيناريوهين وتصعيد يؤدي إلى إضراب عام يعمّق الأزمة الاقتصادية ويُضعف مكانة تونس دوليًا.
تفاوض خافت قد يُنهي الأزمة مؤقتًا، لكنه لن يحل الخلاف الهيكلي حول دور النقابات في النظام الجديد.
بينما تُغلّف الرئاسة خطابها بشعارات “محاربة الفساد”، يخشى كثيرون أن تكون المعركة الحقيقية هي إسكات آخر صوت مستقل في تونس، مما يُعيد إنتاج نظام الحزب الواحد تحت شعارات شعبوية. القادم أيام قد يحمل إجابة، لكن المؤكد أن تونس — مرة أخرى على صفيح ساخن.

التعليقات مغلقة.