تظل “إسرائيل” دولة بلا دستور مكتوب واحد وبلا حدود نهائية معترف بها رسمياً وقانونياً. هذا الغياب ليس ثغرة قانونية عابرة، بل هو نتيجة لصراعات أيديولوجية تأسيسية ومحصلة لسياسة متعمدة تخدم رؤية توسعية، وفقاً لتحليل تاريخي وقانوني.
وفي الجانب المقابل، وقف التيار العلماني بقيادة ديفيد بن غوريون، الذي سعى إلى دولة حديثة على النمط الغربي بدستور ديمقراطي. إلا أنه أدرك أن فرض مثل هذا الدستور سيفجر صراعاً هوياتياً في مجتمع لا يزال في طور التكوين.
للخروج من هذا المأزق، تبنى الكنيست الأول في عام 1950 ما عُرف بـ “تسوية هراري”، وهي حل وسط يقضي بكتابة الدستور “فصلاً فصلاً” عبر سن “قوانين أساسية” منفصلة، على أن يتم جمعها لاحقاً في وثيقة دستورية واحدة. إلا أن هذا “المستقبل” لم يأتِ أبداً، وظلت هذه القوانين الأساسية تشكل معاً دستوراً غير مكتمل وغير رسمي، منحته المحكمة العليا لاحقاً مكانةً دستورية عليا.
يرتبط غياب الدستور ارتباطاً عضوياً بعدم ترسيم الحدود. فالسؤال عن حدود الدولة لا يمكن الإجابة عليه دستورياً لأن الدستور نفسه غير موجود. ولكن التحليل التاريخي يشير إلى أن هذا الغياب كان سياسة مُتعمدة.
فقد رفض بن غوريون، بحسب وثائق تاريخية، تحديد حدود الدولة عند إعلانها، ليبقى الباب مفتوحاً أمام التوسع المستقبلي. هذه الاستراتيجية، التي يصفها محللون بـ “الغموض الاستراتيجي”، مكنت “إسرائيل” من التمدد واحتلال أراضٍ جديدة عبر تاريخها دون أن تقيدها حدودٌ نهائية ملزمة قانوناً.
لم تعترف “إسرائيل” رسمياً بأي من التصورات الحدودية التي مرت بهاحدود قرار التقسيم 181 (1947): قبلتها الوكالة اليهودية آنذاك كخطوة سياسية، لكن الحرب التي تلت أطاحت بها على الأرض بالإظافة إلى الخط الأخضر التي يعتبرها المجتمع الدولي أساساً لحل الدولتين، لكن “إسرائيل” تتعامل معها كخطوط وقف إطلاق نار سابقة، وترفض الاعتراف بها كحدود دولية ذات سيادة.
العقيدة التوسعية: عائق أمام الحل
تتعقد قضية الحدود أكثر بسبب تغلغل عقيدة “أرض إسرائيل الكبرى” في اليمين الحاكم، خاصة في حزب الليكود والتيار الديني القومي. تستند هذه العقيدة على تفسيرات توراتية تدعي أن حقوق “الشعب اليهودي” تمتد على أرضٍ تشمل كامل فلسطين التاريخية وأجزاء من دول الجوار.
هذه الرؤية التوسعية تجعل أي اعتراف بحدود 1967، ناهيك عن حدود أصغر، مستحيلاً سياسياً بالنسبة لليمين، لأنه يعتبره تنازلاً عن “حق توراتي” تاريخي. تجليات هذه العقيدة ظهرت بوضوح في الخريطة التي عرضها رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو في الأمم المتحدة عام 2023، والتي محت فلسطين بالكامل.
يخلص التحليل إلى أن غياب الدستور وعدم ترسيم الحدود هما ظاهرتان متلازمتان تنبعان من صراعين مركزيين لم يحلا بعد في الكيان الإسرائيلي: الصراع بين الهوية الدينية والعلمانية، والصراع بين مفهوم الدولة ذات الحدود المحددة ومشروع “الدولة-الأمة” التوسعي المستند إلى ادعاءات تاريخية ودينية.
هذا الغموض الدستوري والجغرافي لا يخدم سوى سياسة فرض الأمر الواقع، ويوفر غطاءً للاستمرار في التوسع الاستيطاني وضم الأراضي الفلسطينية، دون أي قيود دستورية أو التزامات قانونية واضحة بحدودٍ يجب احترامها.

التعليقات مغلقة.