أول جريدة إلكترونية مغربية تتجدد على مدار الساعة

“الشفّار الصغير” الذي حيّر الدار البيضاء: طفل في العاشرة وراء 31 عملية سرقة موثقة

بقلم: الأستاذ محمد عيدني

اهتزّت العاصمة الاقتصادية الدار البيضاء على وقع قضية غريبة ومثيرة، بطلها طفل لا يتجاوز العاشرة من عمره، بعدما كشفت معطيات ميدانية وصور من كاميرات المراقبة تورطه في أكثر من 31 عملية سرقة نُفذت باحترافية غير متوقعة، مستهدفًا الدراجات النارية و”التروتينات” الكهربائية داخل أحياء راقية وشعبية على حد سواء.

القضية التي تحولت إلى حديث الرأي العام البيضاوي بدأت تتكشف تفاصيلها تدريجياً، حين وثّقت كاميرات مراقبة داخل إقامة سكنية آخر عملية نفذها الطفل، حيث ظهر بوضوح وهو يقتحم المرآب بخفة مذهلة، يتمكن من كسر القفل في لحظات معدودة، ثم يلوذ بالفرار على الدراجة المسروقة في ظرف لا يتعدى دقيقة ونصف.

التحقيقات الأولية التي باشرتها مصالح الأمن بالمدينة أوضحت أن الطفل يتحرك بمفرده في معظم الأحيان، ويعتمد على أساليب متقنة في التمويه والمراقبة قبل تنفيذ السرقات، ما جعل بعض السكان يصفونه بـ “أذكى وأخطر لصّ صغير في الدار البيضاء”.
وقد تم رصد عملياته في أحياء متعددة مثل عين الشق، المعاريف، والحي الحسني، ما يؤكد أن نشاطه لم يكن عرضيًا، بل أقرب إلى “مخطط ممنهج” رغم صِغر سنه.

وبينما تتواصل الأبحاث لتحديد هويته الكاملة والظروف التي يعيش فيها، عبّرت فعاليات جمعوية وحقوقية عن قلق بالغ من انتشار ظاهرة انحراف القاصرين، معتبرين أن هذه الحالة تشكّل جرس إنذار قويًا حول هشاشة البيئة الاجتماعية في بعض المناطق الحضرية، حيث يُترك الأطفال فريسة للشارع والانحراف.

بين القانون والطفولة: معضلة مزدوجة

من الناحية القانونية، ورغم جسامة الأفعال، فإن المسؤولية الجنائية للطفل دون 12 سنة محدودة جداً وفق قانون المسطرة الجنائية المغربي، الذي ينصّ على أن القاصر في هذه المرحلة العمرية لا يُتابع بعقوبة سالبة للحرية، بل يخضع لتدابير الحماية أو الإيداع بمراكز إعادة التربية.
وهو ما يضع السلطات أمام معضلة حقيقية: كيف يمكن حماية المجتمع دون الإضرار بمصلحة الطفل؟

فالقانون لا يُعاقب بقدر ما يسعى إلى “إصلاح وإدماج”، إلا أن غياب البنية التربوية والاجتماعية الملائمة يجعل تطبيق هذه الفلسفة الإصلاحية محفوفاً بالصعوبات، خصوصاً عندما يتحول طفل إلى فاعل في جرائم متكررة ومنظمة بهذا الشكل اللافت.

تحليل اجتماعي: حين يسرق الشارع الطفولة

تسلّط هذه القضية الضوء على الوجه الخفي للفقر والإقصاء في المدن الكبرى، حيث يمكن أن يولد “لصّ صغير” من رحم الإهمال والعوز، قبل أن يجد نفسه مطاردًا من الكاميرات بدل أن يجلس على مقاعد الدراسة.
إنها قصة تختصر مسار الانحراف المبكر في مجتمع تتقاطع فيه الهشاشة الأسرية، التسرب المدرسي، وضعف الرقابة الأسرية، لتنتج نماذج من الأطفال الذين يتعلمون أساليب الجريمة قبل أن يتعلموا مبادئ القراءة.

ويجمع المراقبون على أن الحل لا يكمن فقط في القبض على الطفل، بل في تتبع أصل الخلل الاجتماعي الذي أنجبه، عبر مقاربة شمولية تشارك فيها الأسرة، والمدرسة، والمجتمع المدني، والأجهزة الأمنية، لضمان أن لا يتحول “الشفّار الصغير” إلى مجرم كبير في المستقبل.

التعليقات مغلقة.