قدّمت جبهة البوليساريو، في خطوة أثارت تبايناً في قراءات المراقبين، مقترحاً جديداً إلى الأمين العام للأمم المتحدة تدعو فيه إلى “تمكين ما تسميه الشعب الصحراوي من ممارسة حق تقرير المصير عبر استفتاء تشرف عليه الأمم المتحدة والاتحاد الإفريقي”، معلنةً استعدادها لما وصفته بـ“تقاسم فاتورة السلام” مع المغرب من خلال مفاوضات “مباشرة وجادة ودون شروط مسبقة”.
وجاء هذا التحرك قبل أيام قليلة من صدور قرار مجلس الأمن حول الصحراء المغربية، وفي سياق إقليمي ودولي يشهد تراجعاً واضحاً في نفوذ أطروحة الانفصال، مقابل تزايد الدعم الدولي لمبادرة الحكم الذاتي المغربية، التي باتت تحظى بتأييد واسع من عواصم كبرى كواشنطن وباريس ولندن، بل وحتى موسكو التي أبدت مؤخراً إشارات إيجابية تجاه هذا الخيار الواقعي.
في المقابل، يُنظر إلى الخطوة على أنها محاولة لتخفيف الضغوط المتزايدة على الجزائر من قبل الإدارة الأمريكية، التي تدفع نحو “مقاربة عملية وواقعية” لإنهاء النزاع وإعادة الدفء إلى العلاقات المغربية الجزائرية، وهي المساعي التي كشف عنها مبعوث الرئيس الأمريكي ستيف ويتكوف، معلناً قرب التوصل إلى اتفاق سلام بين البلدين خلال الأسابيع المقبلة.
براغماتية أم تكتيك ظرفي؟
اعتبر المحلل السياسي سعيد بركنان أن التطورات الأخيرة “تؤشر على بداية انزياح الخطاب الانفصالي نحو الواقعية السياسية”، موضحاً أن التحولات الجارية داخل مجلس الأمن، خاصة في موقفي الولايات المتحدة وروسيا، دفعت الجزائر إلى تبنّي نغمة أكثر مرونة بعد سنوات من الجمود الدبلوماسي.
وأضاف بركنان أن عزلة الجزائر المتنامية إقليمياً ودبلوماسياً، وتراجع علاقاتها مع عدد من الشركاء التقليديين كإسبانيا وفرنسا، جعلتها تبحث عن مخرج يحفظ ماء الوجه عبر “خطاب سلام” تتبنّاه جبهة البوليساريو شكلياً.
وأشار إلى أن هذا المقترح “يعكس فهماً ضمنياً لدى الجبهة بأن المبادرة المغربية هي الحل الواقعي الوحيد المقبول دولياً، وأن المرحلة المقبلة ستنصب على التهيئة الميدانية والأمنية لتنزيل الحكم الذاتي بالأقاليم الجنوبية”.
مناورة جزائرية بواجهة سلمية
من جانبه، رأى الخبير في إدارة الأزمات البراق شادي عبد السلام أن مقترح البوليساريو “لا يحمل مؤشرات تحوّل حقيقي، بقدر ما يُجسّد مناورة جديدة بإخراج جزائري واضح”، موضحاً أن محاولة إشراك الاتحاد الإفريقي في مسار التسوية تمثّل “تكتيكاً ممنهجاً” لإضعاف الدور الأممي وحصره في التنسيق الشكلي.
وأكد المتحدث أن “الجزائر تسعى، عبر هذا التحرك، إلى تشتيت الجهود الدولية وإعادة إحياء مسار قاري منحاز منذ قبوله عضوية ما يُسمى الجمهورية الصحراوية المزعومة، في خطوة تتعارض مع قرارات الاتحاد نفسه، خصوصاً المقرر 693 الذي حدّد بوضوح أن دور المنظمة يقتصر على دعم المسار الأممي لا موازنته”.
واعتبر عبد السلام أن “التحرك الأخير يكشف استمرار الجزائر في توظيف البوليساريو كورقة ضغط إقليمي”، مشدداً على أن “الفاعل الحقيقي في هذا الملف هو الدولة الراعية للجبهة، التي تستخدمها لمساومة المغرب ومحاولة تعطيل الدينامية الدبلوماسية التي عززت مكانة الرباط في المحافل الدولية”.

التعليقات مغلقة.