أول جريدة إلكترونية مغربية تتجدد على مدار الساعة

دراسة روسية: الصحراء المغربية ركيزة لهوية المغرب الدبلوماسية ومفتاح حضوره الدولي

جريدة أصوات

كشفت جامعة موسكو للعلاقات الدولية التابعة لوزارة الخارجية الروسية عن رؤية عميقة للدور المحوري الذي تلعبه قضية الصحراء المغربية في تشكيل الهوية الدبلوماسية للمملكة. هذه الدراسة التي حملت عنوان “الصحراء كأساس لهوية السياسة الخارجية للمغرب”، والصادرة في العدد الثاني من مجلة “السياسة المقارنة”، تؤكد أن هذه القضية ليست مجرد نزاع حدودي عادي، بل هي مكون جوهري في البناء السياسي للمملكة وشرعنة سلطتها داخلياً وخارجياً.

وفقاً للباحث الروسي تيمور كاديرمامبيتوف من الأكاديمية الروسية للعلوم، فإن السياسة الخارجية المغربية لم تعد مجرد نتاج لتوازنات إقليمية أو مصالح ظرفية، بل تحولت إلى أداة لتثبيت تصور الدولة لذاتها وحدودها. ويعتمد الباحث في تحليله على المنهج البنائي الذي يربط الهوية الخارجية للدول بالتفاعل بين العوامل الداخلية والخارجية، مبرزاً أن المغرب يحدد أولوياته انطلاقاً من تصوره لذاته كدولة عربية إسلامية إفريقية ومتوسطية في آن واحد.

ويشير البحث إلى أن الوثائق الدستورية المغربية، ولا سيما دستور 2011، تعكس هذا الطابع التعددي في الهوية الوطنية، حيث تنص على أن الأمة المغربية تستمد وحدتها من تداخل المكونات العربية الإسلامية والأمازيغية والصحراوية والإفريقية والأندلسية واليهودية والمتوسطية. هذا التنوع الثقافي يمنح السياسة الخارجية مرونة خاصة، لكنه في الوقت نفسه يجعل من قضية السيادة الترابية خطاً أحمر لا يقبل المساومة.

تكشف الدراسة أن الحس السيادي الذي تشكل عبر قرون من مقاومة التبعية الأجنبية، من الحقبة الاستعمارية إلى ما بعدها، قد رسخ في الوعي الجمعي المغربي شعوراً خاصاً بأهمية وحدة التراب الوطني. وهذا ما جعل من قضية الصحراء قضية وجودية لا تخضع لمنطق المساومة.

وتصف الدراسة المسيرة الخضراء سنة 1975 بأنها “رمز وطني جامع يؤدي وظيفة تعريفية للحضارة المغربية”، مشيرة إلى أن هذا الحدث أدى دوراً محورياً في تعزيز مشروعية النظام الملكي داخلياً، وفي إعادة صياغة صورة المغرب في الخارج كدولة تسعى إلى استعادة أراضيها بالوسائل السلمية والدبلوماسية. كما تجسد الوحدة العضوية بين العرش والشعب، وأعادت تأكيد الارتباط بين السيادة والوحدة الترابية.

تشير الدراسة إلى أن عودة المغرب إلى الاتحاد الإفريقي سنة 2017 مثلت نقطة تحول رئيسية في إعادة تموضعه الخارجي. فبعد انسحابه من منظمة الوحدة الإفريقية سنة 1984 احتجاجاً على قبول ما يسمى “الجمهورية الصحراوية”، عاد المغرب إلى العمل الإفريقي المشترك من موقع جديد أكثر ثقة، وسرعان ما استطاع تحقيق تقدم ملموس في إقناع عدد من الدول الإفريقية بالاعتراف بسيادته على الصحراء.

ويعكس هذا المسار نجاح الرباط في استخدام الدبلوماسية متعددة الأبعاد لتكريس سرديتها التاريخية حول الصحراء. وقد ترجم هذا النجاح عبر افتتاح العديد من الدول قنصليات في مدينتي العيون والداخلة، والدعم المتنامي لمبادرة الحكم الذاتي التي قدمها المغرب سنة 2007 باعتبارها الحل الواقعي والوحيد للنزاع.

في هذا السياق، أولت الدراسة اهتماماً خاصاً لمفهوم “الأمن الروحي” الذي طورته الرباط كآلية للتعاون الديني مع بلدان الساحل وإفريقيا جنوب الصحراء، من خلال تكوين الأئمة ونشر نموذج الإسلام المغربي الوسطي. وهذا يترجم رغبة المغرب في تعزيز حضوره في الفضاء الإفريقي بوسائل غير صدامية تدعم في النهاية موقفه من الصحراء.

سجلت الدراسة تحولاً إيجابياً في الموقف الأوروبي من القضية، حيث تحولت مدريد وباريس إلى داعمين واضحين للمبادرة المغربية المتعلقة بالحكم الذاتي في الصحراء. ففي مارس 2022، أعلنت الحكومة الإسبانية تأييدها الرسمي للمبادرة المغربية بوصفها “الأساس الأكثر جدية وواقعية ومصداقية لتسوية النزاع”. وتبعتها فرنسا التي أكد وزير خارجيتها في فبراير 2024 أن باريس تمنح الرباط “دعما كاملا وثابتا” في هذا الملف.

أما على مستوى العلاقات مع القوى الكبرى، فتؤكد الدراسة أن التحالف المغربي-الأمريكي مثل رافعة أساسية في مسار تثبيت السيادة المغربية على الصحراء، خاصة بعد توقيع اتفاقيات أبراهام سنة 2020 التي أعلن المغرب بموجبها استئناف العلاقات الدبلوماسية مع إسرائيل. وقد تحقق الهدف الاستراتيجي المتمثل في اعتراف الولايات المتحدة بسيادة المغرب على الصحراء حين أصدر الرئيس الأمريكي دونالد ترامب إعلانا رسميا بهذا الشأن في ديسمبر 2020.

على مستوى العلاقات مع الجوار المباشر، تُظهر الدراسة أن التوتر مع الجزائر يمثل التحدي الخارجي الأبرز الذي واجه المغرب ولا يزال يشكل محددا رئيسيا لهويته السياسية الإقليمية. وتصف الدراسة العلاقة بين البلدين بأنها علاقة “تنافس دائم على الزعامة الإقليمية”، تعود جذورها إلى حرب الرمال سنة 1963، وتعمقت مع مرور الزمن بسبب الخلاف حول قضية الصحراء.

وتؤكد الدراسة أن الجزائر، التي دعمت منذ البداية جبهة البوليساريو، أصبحت في التصور المغربي مرادفا للتهديد الدائم. وفي المقابل، رسخت المسيرة الخضراء صورة الجزائر في الوعي الوطني كخصم إقليمي. وقد كان لقطع العلاقات الدبلوماسية بين البلدين تأثير كبير على تطور الأحداث الإقليمية.

تخلص الدراسة الروسية إلى أن المغرب طور خلال العقد الأخير ما يسميه “الأسلوب الوطني في السياسة الخارجية”، وهو نمط من السلوك الدبلوماسي يقوم على المرونة والانفتاح في جميع الملفات، باستثناء ملف الصحراء الذي يظل غير قابل للتنازل أو المساومة. هذا الأسلوب يعكس تفاعلاً بين التاريخ والجغرافيا والهوية الدينية والثقافية، ويجعل من المغرب حالة فريدة في العالم العربي والإفريقي من حيث قدرته على الموازنة بين البراغماتية والرمزية.

وهكذا، تؤكد هذه الدراسة الأكاديمية الموسعة أن المغرب بات نموذجاً لدولة نجحت في تحويل قضيتها الوطنية إلى ركيزة دبلوماسية قوية، تجمع بين الهوية والسيادة والانفتاح الذكي على العالم، في انسجام تام مع فلسفة الملك محمد السادس التي تجعل من الدبلوماسية امتداداً للثوابت الوطنية ومجالاً لتكريس مغربية الصحراء على المستويين القاري والدولي.

التعليقات مغلقة.