تتواصل الدينامية الاستثمارية في الجهة الشرقية مع دخول شركة Hirschmann Automotive النمساوية إلى مدينة وجدة، حيث دشّنت مؤخرًا مصنعًا جديدًا بالمنطقة الصناعية “Zone d’Accélération Industrielle – Cleantech”، في خطوة تعكس الثقة المتزايدة في مناخ الاستثمار المحلي وقدرة المنطقة على استقطاب مشاريع صناعية كبرى في مجال السيارات.
المصنع الجديد يمتد على مساحة تقارب 15 ألف متر مربع، ويُعد من بين الاستثمارات الأجنبية الحديثة التي تراهن على الشرق المغربي لتوسيع شبكة الإنتاج العالمية للشركة. ويُتوقع أن يسهم المشروع في خلق مئات مناصب الشغل المباشرة وغير المباشرة، إلى جانب نقل تكنولوجيا متقدمة إلى المنطقة وتعزيز تكوين اليد العاملة المحلية.
تصنيع مكونات متطورة لصناعة السيارات
يُتخصص مصنع Hirschmann Automotive بوجدة في تجميع الكوابل والوصلات والمودولات الإلكترونية الدقيقة الموجهة لقطاع السيارات، وهي مكونات تُستخدم في المركبات الحديثة بما في ذلك السيارات الكهربائية والهجينة.
وبحسب بيانات الشركة على موقعها الرسمي، فإن وحدة وجدة حاصلة على شهادة الجودة الدولية IATF 16949:2016، ما يؤكد مطابقة عملياتها للمعايير الصناعية العالمية في مجال تصنيع أجزاء السيارات.
اختيار استراتيجي يعكس ثقة المستثمرين في وجدة
اختيار مدينة وجدة من طرف الشركة النمساوية لم يكن صدفة، بل جاء بعد تقييم دقيق لعدد من العوامل، أبرزها جودة اليد العاملة المحلية والبنية التحتية المتطورة، والقرب من ميناء الناظور غرب المتوسط والمحور الحدودي الجزائري الأوروبي.
هذا القرار يعزز مكانة وجدة كوجهة صناعية جديدة في المغرب، خصوصًا في ظل الجهود التي تبذلها الدولة لتقليص التفاوت الجهوي وتشجيع الاستثمار في المناطق الداخلية والشرقية.
ويؤكد محللون اقتصاديون أن إطلاق هذا المشروع يشكل نقطة تحول في مسار التنمية بالجهة الشرقية، لكونه يندرج ضمن رؤية وطنية تهدف إلى جعل المغرب مركزًا إقليميًا لصناعة السيارات وقطع الغيار، ويعكس استمرار ثقة الشركات الأوروبية في استقرار المملكة وانفتاحها الصناعي.
بعدٌ تكنولوجي وتنموي
من المرتقب أن تُسهم وحدة Hirschmann Automotive في إدخال تكنولوجيا تصنيع جديدة إلى المنطقة، عبر تكوين الكفاءات المحلية في مجالات الميكانيك الدقيقة والإلكترونيات الصناعية، مما سيُتيح فرصًا للشباب في الاندماج المهني والتقني داخل سوق السيارات العالمي.
كما يُنتظر أن يشكل المصنع رافعة اقتصادية للجهة الشرقية، من خلال تحريك سلاسل التوريد والخدمات اللوجستيكية، واستقطاب استثمارات أخرى مرافقة في مجالات التغليف، الصيانة، والنقل الصناعي.
وجدة في طريقها لتصبح قطبًا صناعياً جديدًا
بافتتاح هذا المشروع، تنضم وجدة إلى مدن مغربية أخرى كطنجة والقنيطرة والدار البيضاء في منظومة صناعة السيارات التي جعلت المغرب يتبوأ المرتبة الأولى إفريقيًا في تصدير السيارات نحو أوروبا.
ويُنتظر أن يسهم المصنع في رفع القيمة المضافة المحلية وتعزيز تنافسية الصناعة المغربية، خصوصًا مع توجّه السوق العالمي نحو السيارات الكهربائية والهجينة، وهو ما يمنح المغرب موقعًا متقدمًا في سلاسل القيمة المستدامة.
بهذا الاستثمار، تُعزز وجدة موقعها على خريطة الاستثمار الصناعي بالمغرب، وتخطو خطوة جديدة نحو تحقيق توازن جهوي في التنمية الاقتصادية.
ويبقى الرهان الأكبر هو ضمان مواكبة مؤسسات التكوين المهني والإدارة المحلية لهذه الدينامية، حتى تتحول هذه المبادرات من مجرد مشاريع صناعية إلى محركات حقيقية للتنمية والتشغيل والاستقرار الاجتماعي في الجهة الشرقية.


التعليقات مغلقة.