أول جريدة إلكترونية مغربية تتجدد على مدار الساعة

بين العقل والعرش: تاريخ السلطة الثقافية والسلطة السياسية في العالم العربي

جريدة أصوات

حلّل الفيلسوف المغربي علي أومليل في كتابه “السلطة الثقافية والسلطة السياسية” العلاقة المعقدة بين الفكر والسياسة في التاريخ العربي-الإسلامي، مسلّطًا الضوء على الصراع والتواطؤ بين العقل والعرش. يرى أومليل أن السلطة الثقافية، المتمثلة في المعرفة والنقد والعقل المستقل، لم تنجح في الانفصال عن السلطة السياسية، بسبب بنية اجتماعية جعلت المعرفة خادمة للسلطة بدل أن تكون رقيبًا عليها.

ينقسم الكتاب إلى ثلاثة محاور رئيسية:

الأصوليون والكتّاب:
يفسّر أومليل نشوء الأصولية عبر القراء الأوائل، الذين أسسوا لسلطة دينية تراقب النص والسياسة معًا. ويستعرض دور الفقهاء والكتّاب، حيث كان الفقيه “رقيبًا مزدوجًا” على المجتمع والسلطان، بينما تحوّل الكاتب إلى وسيط بين الدولة والثقافة، يعيش بين خدمة السلطة والنقد الضمني لها. ويستعرض مؤلفات ابن المقفع والجاحظ والتوحيدي، وصولًا إلى ابن خلدون الذي كشف هشاشة “السلطة العلمية” في مجتمع لم يحتفل بالبحث العقلاني المستقل.

سياسة الفيلسوف:
يرصد أومليل تجربة الفلاسفة المسلمين (الرازي، الفارابي، ابن باجه، ابن سينا، ابن رشد) في محاولة تأسيس سلطة عقلانية مستقلة. ويبرز ابن رشد كأبرز مثال على الفيلسوف الذي سعى لبناء “مدينة الفيلسوف” القائمة على العقل والجدل المنطقي، إلا أن مشروعه انتهى بالعزلة، بسبب رفض السلطة السياسية والدينية شراكته في القرار. ويعتبر أومليل إخفاق الفلاسفة في إقامة سلطة ثقافية مستقلة سببًا رئيسًا لغياب الحداثة العقلية عن التراث الإسلامي.

سلطة المثقفين:
ينتقل الكاتب إلى العصر الحديث، موضحًا ميلاد المثقف الأوروبي المرتبط بالتحرر من وصاية الكنيسة والدولة، مقابل المثقف العربي الذي ظل أسيرًا للسلطة أو لخطاب أيديولوجي مغلق. ويؤكد أومليل على ضرورة بناء “سلطة ثقافية حديثة” تستند إلى العقل والنقد المستقل، بعيدًا عن الانتماء للحزب أو العقيدة، لتصبح رافدًا أساسيًا في بناء الدولة والمجتمع.

المغزى الفكري:
يرى أومليل أن أزمة الفكر العربي ليست سياسية فحسب، بل أزمة في بنية السلطة الثقافية نفسها. المعرفة كانت تاريخيًا أداة للشرعنة وليس للمساءلة، مما جعل المثقف تابعًا لا مبدعًا. ويؤكد أن النهضة الحقيقية تتطلب إعادة تعريف العقل كفاعل اجتماعي حر، وإقامة سلطة ثقافية مدنية تمنح النقد مكانته المستقلة.

عن المؤلف:
علي أومليل، فيلسوف ومفكر مغربي، درس في جامعة السوربون، وشارك في الحياة الأكاديمية والدبلوماسية، من خلال مناصب عدة منها سفير المغرب في اليونسكو. من مؤلفاته أيضًا: “الفكر العربي والحداثة” و”الخطاب العربي المعاصر”. يتميز مشروعه بتقديم قراءة نقدية عقلانية للتراث العربي، مع التأكيد على استقلال المثقف عن السلطتين الدينية والسياسية.

ختاما، يمثل الكتاب دراسة أنثروبولوجية للسلطة الفكرية في العالم العربي، متتبعًا جذورها من الفقيه إلى الفيلسوف وصولًا إلى المثقف الحديث. ويكشف أومليل أن غياب الحداثة الفكرية ليس بسبب تدخل خارجي، بل نتيجة استمرار الخضوع الداخلي للسلطة، داعيًا إلى تحرير العقل والمثقف من التبعية السياسية والدينية.

التعليقات مغلقة.