أول جريدة إلكترونية مغربية تتجدد على مدار الساعة

المرأة والعناد: قراءة في السلوك وأثره على التوازن الأسري

بقلم: الأستاذ محمد عيدني

يُعدّ العناد من الصفات التي تُثير جدلًا واسعًا في الدراسات الاجتماعية والنفسية، خصوصًا حين يُنسَب إلى المرأة، إذ يُنظر إليه تارةً كقوةٍ في الشخصية، وتارةً كعائقٍ أمام الاستقرار الأسري. وبين هذين التصورين، تتبدّى الحاجة إلى فهمٍ علميٍّ متّزن لهذا السلوك، بعيدًا عن الأحكام المسبقة.

يشير علم النفس الأسري إلى أن العناد عند المرأة قد يتخذ أشكالًا متعددة، منها العناد الدفاعي الناتج عن الإحساس بالتهميش أو فقدان التقدير، ومنها العناد الموجَّه لتحقيق السيطرة أو فرض الرأي. وغالبًا ما يظهر هذا السلوك في البيئات التي يغيب فيها الحوار أو يُضعف فيها التواصل العاطفي بين الزوجين. فالمرأة التي لا تجد مساحة آمنة للتعبير عن ذاتها، قد تلجأ إلى الرفض الصامت أو الإصرار المتكرر بوصفه وسيلةً للحفاظ على حضورها النفسي داخل العلاقة.

ومع أنّ العناد قد يبدو أحيانًا نابعًا من قوة الإرادة والرغبة في الاستقلال، فإنّ استمراره خارج حدود التفاهم يتحوّل إلى سلوكٍ مدمّرٍ للعاطفة. إذ يخلق توترًا دائمًا داخل الأسرة، ويُضعف لغة الودّ والرحمة التي تُعدّ أساس العلاقة الزوجية. وقد بيّنت دراسات ميدانية عدّة أن العناد المتكرر يُسهم في ارتفاع نسب الخلاف والطلاق، نظرًا لعجز الطرفين عن الوصول إلى أرضية مشتركة للحوار.

من جهةٍ أخرى، يوضح علماء الاجتماع أنّ المرأة الحكيمة لا تُقاس بقوة مواقفها فقط، بل بقدرتها على الموازنة بين العاطفة والعقل، وعلى اختيار الوقت المناسب للحزم واللين. فالتنازل في بعض المواقف لا يعني ضعفًا، بل هو تعبير عن نضجٍ عاطفيٍّ يحافظ على المودة ويُبقي العلاقة حيّة ومتزنة.

ويؤكد علماء النفس أن طيبة القلب وسرعة الانفعال من السمات التي ترافق المرأة العنيدة غالبًا؛ فهي لا تعاند بدافع القسوة، بل بدافع الانفعال أو الشعور بالظلم. ومع مرور الوقت، قد يتحوّل هذا الانفعال إلى عادةٍ يصعب كسرها، فتجد نفسها أسيرةً لمشاعر الغضب والدفاع المستمر عن الرأي. وهنا تكمن الخطورة، لأن العناد حين يصبح طبعًا دائمًا، يقتل الحبّ بصمتٍ ويهدّد استقرار البيت.

 

تُظهر الخبرة الإنسانية أن المرأة التي تُحسن الإصغاء، وتزن مواقفها بحكمة، وتُفرّق بين الكرامة والعناد، هي القادرة على صون بيتها وحفظ كيانها العاطفي. فالحكمة ليست في الصدام، بل في إدارة الخلاف بلغةٍ راقية تحفظ الاحترام وتُبقي للمودة معناها. إنّ المرونة ليست ضعفًا، بل هي أعلى درجات القوة الإنسانية التي تجعل من المرأة عنصر استقرارٍ لا مصدر اضطراب، ومن بيتها مأوى للمحبّة لا ساحةً للجدال.

التعليقات مغلقة.