نزيف صامت … أزمة المقاولات الصحفية تدفع الصحافيين إلى الهجرة المهنية!
بقلم: الأستاذ محمد عيدني
لم يعد الصحافي المغربي يعيش فقط أزمة مهنة، بل أصبح يعيش أزمة وجود. فبعد سنوات من العطاء والعمل الميداني، أصبحت المقاولات الصحفية اليوم تقف على حافة الإفلاس، عاجزة عن أداء أجور العاملين بها، ومكبّلة بديون متراكمة، وسط غياب آليات دعم واضحة ومستدامة.
لقد تحوّلت غرف التحرير شيئًا فشيئًا إلى فضاءات فارغة، يغادرها الصحافيون في اتجاه قطاعات أخرى، أهمها التعليم الخصوصي والعمومي، ثم قطاعات الاتصال والعلاقات العامة، وحتى العمل الحر خارج المجال الإعلامي. هجرة مهنية غير مسبوقة جعلت من الصحافة اليوم مهنة بدون مستقبل… ومهنة بدون أمان اجتماعي!
اتهام صريح: المقاولات الصحفية بين خنجر الأزمة وغياب المُدافِع!
في غمرة هذا الانهيار، يقف الإعلامي والمقاول الصحفي المغربي وحيدًا في مواجهة مصيره، وسط صمت مطبق وغياب تام للدفاع الحقيقي عن الصحافيين والصحافيات والمواقع الإلكترونية المستقلة التي طالما سنى عليها الملك محمد السادس نصره الله كركيزة أساسية لحرية التعبير.
فهل باتت الصحافة التي تدافع عن كل القضايا، وتغطي الأنشطة الملكية، وبلاغات الحكومة، وكل المواضيع الثقافية والاجتماعية والسياسية والاقتصادية والأمنية… هي نفسها في “خبر كان”؟
أزمة مالية خانقة … أين تبخر الدعم؟
أرباب المقاولات الصحفية يصرّحون اليوم بعجزهم عن أداء أجور العاملين، فالتراجع الكبير في مداخيل الإشهار، وضعف الدعم العمومي، وارتفاع تكاليف الإنتاج، كلها عوامل أدخلت القطاع في نفق اقتصادي مظلم. بعض الصحف أغلقت أبوابها نهائيًا، وأخرى أصبحت تشتغل بعدد محدود جدًا من العاملين، بينما تحوّلت فئة من الصحافيين إلى ما يشبه “متطوعين مهنيين” يعملون بلا ضمان اجتماعي ولا أجر قار.
وهنا تنفجر التساؤلات المشروعة التي تقتضي إجابة واضحة ومحاسبة صارمة:
-
أين هو الدعم المخصص للمقاولات الصحفية والذي صدق عليه البرلمان؟
-
هل هناك محاسبة من طرف الدولة أو المسؤولين عن القطاع عن الدعم المخصص للصحافة في ولاية حكومة أخنوش؟
-
من يقف عقبة في وجه صرف الدعم المخصص للصحفيين والمقاولات الصحفية؟ هل هو المجلس الوطني للصحافة والنشر أم الوزارة الوصية أم الحكومة؟ لقد بات من الضروري الكشف عن المُعرقِل لعمل المقاولات الصحفية!
هجرة نحو قطاعات أخرى … البحث عن “فنجان قهوة”!
وجد كثير من الصحافيين أنفسهم مضطرين للتوجه إلى التعليم الخاص والتعليم العمومي بحثًا عن استقرار مادي ولو نسبي. آخرون اتجهوا إلى الجمعيات، الإشهار، التسويق الإلكتروني، وحتى التجارة الحرة. وكأن الصحافة لم تعد قادرة على توفير أبسط شروط العيش الكريم لمن يناضلون من أجلها!
لقد فقدت المقاولات الصحفية الثقة في جميع النقابات والهيئات ومسيري هذا القطاع، حيث باتت النقابات تدافع فقط عن مصالحها الشخصية تحت شعار “أنا وبعدي الطوفان”!
بكل صراحة، أصبح الإعلامي والصحفي في المقاولة الصحفية يبحث عن “فنجان قهوة” كما سبق وذُكر في إحدى الندوات الصحفية، بعد أن كانت الصحافة منارة للعطاء.
مهزلة التسول: هل بات الإعلام يقاس بـ 50 درهم؟
المقاولات الصحفية تنشر كل الأخبار بدون أي دعم يذكر، حتى بات الصحفي يقوم بواجبه المهني على أكمل وجه، وفي آخر التغطية، يجد نفسه مضطرًا للتسول مبلغ 100 أو 50 درهم!
فهل أصبح الإعلام المغربي يُقاس بـ 50 درهمًا كتلخيص للعمل الصحافي؟ ومن المسؤول عن هذه المهزلة التي تُهين المهنة والعاملين بها؟
سؤال التجهيز: تحدي المونديال وكأس إفريقيا!
في الوقت الذي نحن فيه مقبلون عن تظاهرات كبرى بحجم المونديال وكأس إفريقيا، كيف يعقل أن يكون هناك غياب للدعم اللازم لإعداد أدوات الاشتغال، وتوفير دروس الدعم والتقوية في اللغات الأجنبية للصحفيين كي يتمكنوا من أخذ تصريحات احترافية من الوافدين للمغرب لحضور مثل هذه التظاهرات العالمية؟
إن هذا الإهمال يكشف عن قصر نظر خطير في تقدير دور الإعلام كواجهة للوطن أمام العالم.
سؤال المستقبل … ومطالبة بالإصلاح الجذري
أمام هذا الوضع المأساوي، تُطرح اليوم أسئلة جوهرية:
-
من يحمي الصحافة في المغرب؟
-
هل يكفي الدعم الموسمي لإنقاذ المهنة أم أننا نحتاج لمخطط إنقاذ هيكلي؟
-
متى نمر من “دعم المقاولة” إلى “دعم الصحافي” لضمان كرامته وحمايته الاجتماعية؟
-
وهل يمكن فعلاً بناء نموذج إعلامي جديد يحمي الثروة البشرية ويضمن الاستمرار والاستدامة؟
إن المرحلة تتطلب تفكيرًا جديًا في إرساء آلية قانونية، تضمن للصحافي حدًا أدنى من الحماية الاجتماعية، وتضع شروطًا واضحة للاستفادة من الدعم العمومي، حتى لا يتحول هذا الدعم إلى تنفس اصطناعي مؤقت، بل إلى مشروع هيكلي لضمان حرية الإعلام واستدامته.
الصحافة ليست مهنة للكتابة فقط… إنها مسؤولية مجتمعية، ومرآة لوطن. وإذا غاب الصحافي، فمن يكتب تاريخ هذا الوطن؟

التعليقات مغلقة.