في ظل العدّ التنازلي لدخول القانون الجديد للمسطرة الجنائية حيّز التنفيذ يوم 8 دجنبر 2025، تتصاعد النقاشات القانونية حول حجم التحوّل الذي ستشهده العدالة الجنائية في المغرب، خاصة بعد استعراض الوزير الأسبق للعدل مصطفى الرميد لأبرز المستجدات التي حملها النص الجديد في مرحلة البحث التمهيدي والتحقيق والمحاكمة. ويتّفق عدد من المهنيين على أن هذا القانون يحمل تقدماً ملحوظاً على مستوى حقوق الدفاع وضمانات المحاكمة العادلة، وإن ظلّ يتضمّن بعض النقائص التي قد تتطلب تعديلاً مستقبلاً لتجويد الفعالية الإجرائية.
أولى التحولات البارزة تتمثل في إلزام النيابة العامة بالإشعار بنتائج الشكايات داخل أجل لا يتجاوز خمسة عشر يوماً، مع منح المشتكي أو المتضرر الحق في التظلّم في حالة قرار الحفظ، وهي خطوة تعتبر معالجة لتراكم الشكايات المجهولة المصير. كما تعزّز أدوار الدفاع منذ لحظة الاستنطاق، إذ أصبح حضور المحامي أمام النيابة العامة مقروناً بحقوق جديدة تشمل طلب فحص طبي، تقديم الوثائق، طرح الأسئلة، وإبداء الملاحظات، وهي إضافة لم تكن متاحة سوى أمام قاضي التحقيق.
استحدث القانون أيضاً تأكيد الطبيعة الاستثنائية للوضع تحت الحراسة النظرية، وحصر اللجوء إليها في ستة أسباب محددة، مع إلزام النيابة العامة بالتدقيق في مدى توافرها. وأعاد النص ترسيخ الحق في الصمت، مع التنصيص على عدم اعتبار الصمت اعترافاً، وهو تكريس لمبدأ دستوري، وإن حصَر تطبيقه على حالات الوضع تحت الحراسة النظرية دون تعميمه على جميع مراحل البحث. ومن أبرز التحسينات تمكين المشتبه فيه من الاستفادة من المساعدة القانونية منذ الساعة الأولى للاعتقال دون إذن مسبق، باستثناء الجرائم الخطيرة، مع تحديد مدة الاتصال بالمحامي بنصف ساعة في ظروف مراقَبة بصرياً فقط.
كما أعاد القانون تنظيم مسألة التسجيل السمعي البصري لتصريحات المشتبه فيهم، وإن حدّ نطاقها بالجرائم التي تتجاوز عقوبتها خمس سنوات حبسا، وهو ما أثار انتقاداً بسبب حرمان الغالبية الأكبر من المتابعين في الجنح من ضمانة الإثبات الصوتي–البصري. ويتزامن ذلك مع دخول سجل وطني وجهوي للحراسة النظرية حيز العمل يتم الولوج إليه إلكترونياً من طرف رئاسة النيابة العامة لضمان احترام الآجال القانونية، وهي خطوة تعد من أهم أدوات الرقابة الرقمية على وضع الأشخاص رهن الاحتفاظ.
في مستوى الحرية والأمن القضائي، أبرزت المستجدات تضييق آجال الاعتقال الاحتياطي إلى شهر قابل للتمديد مرة واحدة فقط، ما يجعل الحد الأقصى شهرين في القضايا الجنحية، ويمثّل تحوّلاً جوهرياً مقارنة بالنظام القديم، إلى جانب تقليص آجال المراقبة القضائية إلى ثلاثة أشهر كحد أقصى. ويُنتظر أن تؤدي هذه الإجراءات إلى تخفيض نسبة المعتقلين احتياطياً داخل المؤسسات السجنية، بحيث لا تتجاوز وفق التقديرات 20% من مجموع الساكنة السجنية بدل المعدلات السابقة المرتفعة.
حرص القانون أيضاً على ضمان الفحص الطبي الملزم في حال طلبه المتهم أو دفاعه أو عند ملاحظة آثار أو إصابات، مع التنصيص على بطلان أي اعتراف في حالة رفض هذا الفحص رغم طلبه، وهو انسجام صريح مع التزامات المغرب الدولية في مجال مناهضة التعذيب، وتفعيل بروتوكول إسطنبول المعتمد دولياً. كما تم توسيع العدالة التصالحية عبر توسيع نطاق الصلح ليشمل جرائم النصب وخيانة الأمانة والشيكات دون رصيد والعنف المحدود، وتمكين المحكمة من إيقاف التنفيذ حتى في حالة صدور أحكام نهائية إذا حصل التنازل وأدى المحكوم الغرامات.
أما على مستوى التحول الرقمي، فقد شرّع القانون التوقيع الإلكتروني للمحاضر والأحكام والقرارات، وإمكانية تسجيل كل ما يدور بالجلسات وإفراغه في محاضر لها نفس الحجية القانونية، إضافة إلى تنظيم المحاضر الإلكترونية وتفعيل وسائط الاتصال عن بعد في الاستماع والاستنطاق والتقديم، وهي إصلاحات يُنتظر أن تقلّص الزمن القضائي وتحد من كلفة التنقل وتعدد الإجراءات.
ورغم أن القانون جاء محملاً بمقتضيات تعزّز حقوق الدفاع وترفع من جودة المحاكمة، إلا أن بعض مواده ما تزال تواجه تحديات مؤسسية وتقنية، خصوصاً ما يتعلق بالرقمنة، والطاقة الاستيعابية البشرية للطب الشرعي، والقدرة على تخصيص محامين على مدار الساعة. لكن الثابت أن دخول النص حيّز التنفيذ يمثل بداية مرحلة جديدة لعدالة أكثر شفافية وانضباطاً لمعايير دولة القانون، بما يضمن التوازن بين حماية المجتمع وصون حقوق الأفراد في مواجهة السلطة الجنائية.

التعليقات مغلقة.