حين تُذكر المرأة مع الفتن في آخر الزمان، يظنّ بعض الناس أن النصوص الدينية تُحمّل المرأة مسؤولية الفساد والانحراف، وكأنها أصل البلاء وسبب الضياع. لكن القراءة المتأنية للقرآن والسنة تكشف عكس ذلك تمامًا. فالإسلام لا يتهم المرأة، بل يكشف طبيعة زمنٍ تختلّ فيه القيم، وتضعف فيه القلوب، وتُستغل فيه المرأة بدل أن تُكرّم.
الفتنة في أصل معناها ليست شرًا محضًا، بل هي اختبار. قال الله تعالى:
﴿أَحَسِبَ النَّاسُ أَن يُتْرَكُوا أَن يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ﴾
أي أن الفتن تكشف حقيقة الإيمان، وتمتحن الصدق، وتُظهر ما في القلوب. ومن هنا نفهم أن ذكر المرأة في سياق الفتن ليس اتهامًا لها، بل بيانًا لموضع اختبار شديد في زمن يختلّ فيه ميزان الشهوة والحياء.
النبي ﷺ حين قال: «ما تركتُ بعدي فتنةً أضرّ على الرجال من النساء»، لم يقصد أن المرأة شر، بدليل أنه قال في موضع آخر: «الدنيا متاع، وخير متاعها المرأة الصالحة». فكيف يجتمع الذمّ والمدح؟ الجواب أن الحديث لا يتحدث عن المرأة كذات، بل عن التعلّق الشهواني غير المنضبط، حين تتحوّل العلاقة بين الرجل والمرأة من مودة ورحمة إلى استهلاك ونزوة وسيطرة.
في آخر الزمان، كما تصف الأحاديث، لا تكون المشكلة في وجود المرأة، بل في تغيّر صورتها ودورها في المجتمع. يقلّ الحياء، وتُقدَّم الأجساد، وتُسَوَّق المرأة كوسيلة جذب وربح، لا كإنسانة ذات عقل ورسالة. فيُطلب منها أن تتعرّى لتُرى، وأن تتنازل لتُقبل، وأن تصمت عن كرامتها لتُرضي الذوق العام. وهذه في حقيقتها فتنة على المرأة قبل أن تكون فتنة بالمرأة.
وقد وصف النبي ﷺ فئة من النساء بقوله: «كاسيات عاريات، مائلات مميلات». وهذا الوصف ليس شتمًا، بل تحذير من حالة اجتماعية يصبح فيها الستر شكلًا بلا مضمون، ويُستخدم الجسد لإثارة الشهوة لا لحفظ الكرامة. وهو وصف لواقعٍ إذا انتشر، دلّ على خللٍ أعمق في القيم، لا على فساد المرأة وحدها.
والقرآن حين يتحدث عن الفتن، لا يعفي الرجال منها، بل يبدأ بهم. قال تعالى:
﴿قُل لِّلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ﴾
ثم قال بعدها:
﴿وَقُل لِّلْمُؤْمِنَاتِ﴾
فالطهر مسؤولية مشتركة، وضبط الشهوة واجب على الجميع، وليس تحميل المرأة وحدها عبء الانحراف الاجتماعي.
ومن أخطر فتن آخر الزمان على المرأة أن تُقاس قيمتها بجسدها، وأن يُربط نجاحها بمدى إثارتها، وأن تُنتزع إنسانيتها باسم الحرية. هذه ليست حرية، بل عبودية من نوع آخر، تُقدَّم فيها المرأة للناس، ثم تُترك فارغة من الطمأنينة والكرامة.
ورغم هذا الظلام، لا يغفل القرآن والسنة عن صورة مشرقة: المرأة المؤمنة في زمن الفتن. امرأة تصبر، وتثبت، وتخالف التيار، وتحفظ نفسها في زمن الانفلات. هذه المرأة أجرها عظيم، لأن الثبات وقت الفتنة ليس كالثبات وقت السهولة. وقد قال النبي ﷺ عن هذا الزمن: «يأتي على الناس زمان، الصابر فيه على دينه كالقابض على الجمر».
فالمرأة في آخر الزمان ليست بالضرورة ضحية ساقطة، بل قد تكون مجاهدة بصمت، تقاوم ضغط المجتمع، وسخرية الناس، وسهولة الحرام، وتختار طريق الله رغم وعورته. وهذا من أعظم مراتب الإيمان.
أن الإسلام لا يرى المرأة سبب الفتنة، بل يرى الانحراف عن المنهج سببها. فإذا فسد المجتمع، استُغلت المرأة. وإذا صلح، كُرّمت. والقرآن لم يأتِ ليحاصر المرأة، بل ليحميها من أن تتحوّل إلى أداة، ومن أن تُختزل في شهوة، ومن أن تُحمَّل ذنب عالمٍ اختلّ ميزانه.
وفي زمن كثرت فيه الفتن، لا يكون الحل في كراهية المرأة، ولا في جلدها، ولا في شيطنتها، بل في إصلاح القلوب، وضبط الشهوات، وإعادة الكرامة للإنسان، رجلًا كان أو امرأة.
ومن فهم هذا، نجا.

التعليقات مغلقة.