أعلنت السلطات في الغابون تعليق الوصول إلى جميع منصات التواصل الاجتماعي إلى أجل غير مسمى، بالتزامن مع تصاعد الاحتجاجات الشعبية المنددة بالارتفاع الحاد في تكاليف المعيشة. ويأتي القرار في لحظة سياسية حساسة تُعدّ أول اختبار حقيقي لسلطة الرئيس بريس أوليغي نغيما منذ وصوله إلى الحكم عقب انقلاب عام 2023، ثم فوزه في الانتخابات اللاحقة التي أعادت البلاد إلى المسار الدستوري.
الهيئة المنظمة لقطاع الاتصالات برّرت قرار الحجب بانتشار محتويات “تحض على الكراهية” وتهدد الأمن القومي والاستقرار العام، مؤكدة أن الإجراء يهدف إلى حماية الوحدة الوطنية ومنع أي اضطرابات اجتماعية محتملة. وأشارت إلى أن الفضاء الرقمي تحوّل في الأيام الأخيرة إلى منصة لتبادل دعوات التظاهر والتعبئة، ما اعتبرته تهديداً مباشراً للسلم الأهلي.
وتقول السلطات إن القرار مؤقت ومرتبط بالظرف الراهن، غير أن صيغة “إلى أجل غير مسمى” أثارت قلقاً لدى منظمات مدنية وحقوقية، رأت فيه مؤشراً على احتمال توسع القيود المفروضة على الحريات الرقمية.
تأتي هذه التطورات على خلفية موجة احتجاجات يقودها مواطنون غاضبون من تدهور القدرة الشرائية وارتفاع أسعار السلع الأساسية والخدمات. ويؤكد محتجون أن الضغوط الاقتصادية المتفاقمة دفعت شرائح واسعة من المجتمع إلى النزول إلى الشارع، مطالبين بإجراءات عاجلة لتخفيف الأعباء المعيشية.
ويرى مراقبون أن وسائل التواصل الاجتماعي لعبت دوراً محورياً في تنظيم التحركات وتنسيقها، ما جعلها في نظر السلطات عاملاً مساهماً في اتساع رقعة الاحتجاجات. ويشير هؤلاء إلى أن اللجوء إلى حجب المنصات الرقمية يعكس مخاوف رسمية من فقدان السيطرة على مسار التعبئة الشعبية.
يمثل هذا القرار اختباراً مبكراً للرئيس بريس أوليغي نغيما، الذي تعهّد عقب المرحلة الانتقالية بإرساء دعائم حكم دستوري وتعزيز الاستقرار. فبين متطلبات الأمن والحفاظ على النظام العام من جهة، وضمان الحريات العامة وحرية التعبير من جهة أخرى، يجد الحكم نفسه أمام معادلة دقيقة.
ويحذر محللون من أن استمرار الحجب لفترة طويلة قد ينعكس سلباً على صورة البلاد دولياً، ويثير تساؤلات حول مستقبل المسار الديمقراطي فيها، خاصة في ظل استمرار التحديات الاقتصادية واحتقان الشارع.
يبقى قرار تعليق منصات التواصل في الغابون خطوة مثيرة للانقسام: فبينما ترى فيه السلطات إجراءً احترازياً لحماية الاستقرار، يعتبره منتقدون تقييداً للفضاء العام ومحاولة لاحتواء الغضب الشعبي رقمياً. وفي ظل استمرار الضغوط المعيشية، تبدو الأيام المقبلة حاسمة في تحديد ما إذا كان هذا القرار سيحقق هدفه المعلن بتهدئة الأوضاع، أم سيزيد من حدة الجدل حول حدود السلطة والحريات في البلاد.

التعليقات مغلقة.