أول جريدة إلكترونية مغربية تتجدد على مدار الساعة

رمضان والوعي الجديد.. حين يستعيد المجتمع روحه

بقلم ذة.مفكر سمية

 

في إحدى الأمسيات الرمضانية.. خرجت أتجول في أحد الشوارع المعروفة برواجها وازدحام مطاعمها.. كان المكان في مثل هذه الأيام من كل عام، يتحول إلى فضاء صاخب لا يهدأ: طوابير طويلة..حركة متسارعة.. وسباق واضح لاقتناء الوجبات الجاهزة..حتى يخيل للمرء أن مطابخ البيوت قد أغلقت أبوابها تمامًا.

لكن هذه السنة كان المشهد على غير عادته… الشارع أكثر هدوءًا..والإقبال على المطاعم أقل بكثير مما اعتدناه.. وكأن الناس اختاروا العودة إلى بيوتهم لإعداد وجبات الإفطار والسحور بأنفسهم. لحظة بسيطة لكنها أثارت في داخلي تساؤلًا عميقًا: هل الأمر مجرد صدفة فرضتها برودة الطقس أو ظروف عابرة، أم أننا أمام تغير حقيقي في وعي المجتمع ونظرته إلى شهر رمضان؟

لسنوات طويلة، ارتبط رمضان في أذهان الكثيرين بثقافة الاستهلاك أكثر من ارتباطه بروح الصيام. كان الشهر يتحول تدريجيًا إلى موسم للمصاريف المرتفعة والمظاهر الاجتماعية، وتصبح المائدة مجالًا للتنافس بدل أن تكون مساحة للسكينة والتقارب. غير أن ما نلاحظه اليوم يوحي بأن شيئًا ما بدأ يتغير. في شوارع المغرب، كما في بيوت كثيرة، عاد الحديث عن البساطة، وعن الاعتدال، وعن معنى الصيام الحقيقي. لم يعد الجميع يسعى إلى تنوع الأطباق بقدر ما يسعى إلى صفاء اللحظة نفسها. أصبح إعداد الطعام في البيت فعلًا يحمل معنى المشاركة، لا مجرد تلبية عادة اجتماعية. هذا التغير لا يبدو سطحيًا.. هناك إحساس متزايد بأن رمضان فرصة لمراجعة الذات، وليس مجرد طقوس تتكرر كل عام.. كثيرون صاروا أكثر وعيًا بمعنى التخفف، وأكثر إدراكًا بأن الامتناع عن الطعام لا يكتمل دون الامتناع عن الإسراف واللهاث وراء المظاهر. ربما ساهمت الظروف الاقتصادية الصعبة التي عرفها العالم في السنوات الأخيرة في دفع الناس إلى إعادة النظر في سلوكهم الاستهلاكي، لكن ما يحدث يتجاوز مجرد التكيف مع الأوضاع. هناك وعي يتشكل، ونظرة جديدة تتبلور، وشعور متزايد بأن قيمة رمضان لا تقاس بما يوضع على المائدة، بل بما يحدث داخل الإنسان… حتى العلاقات الأسرية بدت أكثر حضورًا… العودة إلى البيت، الاجتماع حول مائدة بسيطة، تقاسم لحظات الإفطار بعيدًا عن الصخب، كلها تفاصيل صغيرة لكنها تعكس حاجة عميقة إلى استعادة الدفء الإنساني الذي كاد يضيع وسط إيقاع الحياة السريع.

كما يلفت الانتباه انخراط الشباب في مبادرات التضامن والعمل التطوعي خلال هذا الشهر.. في مشهد يعكس حسًا متناميًا بالمسؤولية الاجتماعية، ورغبة حقيقية في إعادة الاعتبار لقيم التكافل والتراحم التي يمثلها رمضان. هذا التحول لا يعني أن المجتمع بلغ الكمال، ولا أن مظاهر الاستهلاك قد اختفت تمامًا، لكنه مؤشر واضح على أن الوعي الاجتماعي في حالة يقظة. فالمجتمعات، مثل الأفراد، تمر بمراحل مراجعة وتصحيح، وتعيد اكتشاف قيمها كلما شعرت بأنها ابتعدت عنها. رمضان في النهاية، ليس مجرد زمن للصيام، بل فرصة سنوية لإعادة ترتيب العلاقة مع الذات ومع الآخرين. وعندما يستعيد الإنسان المعنى الحقيقي لهذا الشهر، يستعيد المجتمع شيئًا من توازنه، وتعود للطقوس روحها التي تمنحها قيمتها… ربما يكون ما نشهده اليوم بداية عودة هادئة إلى رمضان كما كان يُعاش في جوهره: بساطة في العيش، وصدق في الشعور، ووعي بأن أجمل ما في هذا الشهر ليس ما نستهلكه فيه.. بل ما يغيره فينا.

التعليقات مغلقة.