لم يكن من المفترض أن يصل لبنان إلى الحالة التي يعيشها اليوم لو توفرت له قيادة سياسية قوية قادرة على طي صفحات الماضي وفتح أفق جديد لبناء دولة حديثة. فالدولة التي تقوم على أسس سليمة تبدأ أولاً بإرادة سياسية واضحة تتجسد في دستور عادل يساوي بين المواطنين أمام القانون، ويجعل القضاء السلطة المرجعية التي تفصل في النزاعات وتراقب أداء المؤسسات المدنية والعسكرية على حد سواء.
إن قيام دولة قوية يتطلب منظومة حكم تجعل المسؤولية مقرونة بالمحاسبة، بحيث يخضع كل مسؤول للمساءلة مهما كان موقعه أو حجم إنجازاته. فالتجارب العالمية أثبتت أن الدول التي نجحت في الانتقال من التبعية إلى الاستقلال الحقيقي فعلت ذلك عندما التقت الحكمة السياسية مع الفكر المؤسسي، فبنت أنظمة حكم حديثة قائمة على الكفاءة والشفافية.
ومن ركائز بناء الدولة أيضاً استثمار الموارد الوطنية بصورة عادلة ومنظمة. فالأرض اللبنانية بما تحمله من إمكانات زراعية وثروات طبيعية يمكن أن تكون أساساً لاقتصاد منتج يوفر فرص العمل للرجال والنساء في مختلف مراحل الإنتاج. غير أن تحقيق ذلك يتطلب الابتعاد عن عقلية الاستغلال التي تؤدي إلى نشوء طبقات متحكمة تحتكر الثروة والنفوذ على حساب المجتمع.
كما أن الدولة الحديثة لا تقوم فقط على الاقتصاد والإدارة، بل تحتاج أيضاً إلى شخصية سياسية واضحة في علاقاتها الدولية. فالدول القوية تعرف نفسها جيداً وتقدم نموذجاً للتعاون القائم على الندية والاحترام المتبادل، وتدافع عن مبادئ العدالة والقانون في التعامل مع العالم. هذه الشخصية الوطنية تنبع من خصوصية الموقع والتاريخ والهوية، وتمنح الدولة القدرة على التأثير الإيجابي في محيطها الإقليمي والدولي.
غير أن الواقع اللبناني اليوم يبتعد كثيراً عن هذا النموذج. فالنظام السياسي ما زال غارقاً في الانقسامات الطائفية التي تجعل كل جماعة تتصرف وكأنها المركز الوحيد للمشهد الوطني. ومع وجود قوى مسلحة خارج إطار الدولة، يصبح القرار الوطني عرضة للتعطيل كلما تعارض مع مصالح تلك القوى أو طموحاتها.
ويزداد المشهد تعقيداً مع ضعف مؤسسات الدولة، وفي مقدمتها الجيش اللبناني الذي يعاني نقصاً في الإمكانات والتجهيزات. وقد بدا هذا الضعف واضحاً في ظل الانتهاكات الإسرائيلية المتكررة للأراضي اللبنانية، الأمر الذي دفع المجتمع الدولي إلى الدعوة لعقد مؤتمر في باريس لدعم الجيش اللبناني بمشاركة الولايات المتحدة والسعودية وقطر ومصر. ورغم أهمية هذا الدعم، فإن الاعتماد الدائم على المساعدات الخارجية يطرح تساؤلات حول قدرة لبنان على بناء قوة ذاتية تحمي سيادته.
إن الدول لا تُبنى بالمنح والمؤتمرات وحدها، بل بإرادة داخلية صلبة تسعى إلى الإصلاح الحقيقي. فلبنان بحاجة إلى مشروع وطني جامع يعيد الاعتبار لمفهوم الدولة ويضع مصلحة المواطن فوق كل الاعتبارات الطائفية والحزبية.
ويبقى السؤال الجوهري: هل يستطيع لبنان أن ينتقل من واقع الانقسام والتبعية إلى مرحلة الدولة القادرة على الاعتماد على ذاتها؟ الإجابة على هذا السؤال مرهونة بقدرة اللبنانيين على تجاوز خلافاتهم وبناء نظام سياسي جديد يقوم على العدالة والمواطنة والكفاءة، وهي الشروط الأساسية لأي نهضة وطنية حقيقية.

التعليقات مغلقة.