يُعدّ تحسين أداء القطاع العمومي أحد أهم التحديات التي تواجه الدول الساعية إلى التنمية والفعالية في إدارة الشأن العام، إذ لا يمكن تحقيق خدمات عمومية ذات جودة عالية دون منظومة صارمة وشفافة لضبط الحضور الفعلي للموظفين وربط المسؤولية بالمحاسبة وربط الأجر بالإنتاج الفعلي لا بالحضور الشكلي فقط. فالموظف العمومي هو حجر الأساس في تقديم الخدمة للمواطن، وأي خلل في انتظامه أو أداءه ينعكس مباشرة على ثقة المواطن في الإدارة وعلى جودة المرفق العام.
إن اعتماد آليات دقيقة للتحقق من الحضور لم يعد خياراً ثانوياً، بل ضرورة إدارية وتنظيمية تفرضها متطلبات العصر. ويمكن أن تشمل هذه الآليات أنظمة إلكترونية متقدمة لتسجيل الدخول والخروج تعتمد على البصمة أو التعرف على الوجه أو البطاقة الذكية، بما يحد من ظاهرة التلاعب في أوقات العمل ويضمن حضوراً فعلياً وليس صورياً. كما أن الربط الرقمي بين نظام الحضور ومنظومة تدبير الموارد البشرية يتيح مراقبة فورية ودقيقة لمدى التزام الموظفين بساعات العمل القانونية.
غير أن ضبط الحضور وحده لا يكفي، بل ينبغي الانتقال إلى مرحلة أكثر عمقاً تتمثل في ربط صرف الأجور والأداء الفعلي للمهام الإدارية الموكولة. فالأجر يجب أن يعكس الإنتاجية وجودة العمل، وليس مجرد التواجد الفيزيائي في مقر الإدارة. وهذا يتطلب وضع مؤشرات أداء واضحة لكل وظيفة، تحدد حجم المهام، وجودة الإنجاز، وآجال التنفيذ، مع تقييم دوري وشفاف يمكن من التمييز بين الموظف المجتهد والموظف المقصر.
كما أن تفعيل مراقبة صارمة لدخول وخروج الموظفين في جميع القطاعات الحكومية دون استثناء يرسخ مبدأ العدالة داخل الإدارة، ويمنع أي شعور بالتمييز أو الإفلات من الرقابة. فالتساوي أمام قواعد الانضباط الإداري يعزز ثقافة الالتزام ويعيد الثقة في المؤسسة العمومية، خاصة عندما يشعر المواطن أن الموظف يخضع لنفس القواعد دون استثناء أو امتياز غير مبرر.
وفي المقابل، لا ينبغي أن يُفهم هذا التشديد على أنه مجرد رقابة عقابية، بل هو جزء من إصلاح شامل يهدف إلى تحسين بيئة العمل وتحفيز الموظفين على الأداء الجيد. فحين تكون القواعد واضحة والنتائج قابلة للقياس، يصبح الموظف أكثر وعيًا بدوره ومسؤوليته، وتتحول الإدارة من فضاء شكلي إلى مؤسسة منتجة وفعالة.
إن النهوض بالقطاع العمومي لا يمكن أن يتحقق دون إرادة سياسية وإدارية حقيقية لإرساء مبادئ الانضباط والشفافية وربط المسؤولية بالمحاسبة. فالدول التي نجحت في تطوير إدارتها العمومية هي تلك التي اعتمدت على أنظمة دقيقة للرقابة والتقييم، وجعلت من الكفاءة معياراً أساسياً في الترقية والتعويض.إصلاح الإدارة العمومية يبدأ من أبسط حلقة فيها وهي حضور الموظف الفعلي والتزامه بمهامه. وعندما يُربط هذا الحضور بأداء فعلي ومردودية حقيقية، فإننا نكون أمام خطوة حاسمة نحو إدارة حديثة، فعالة، وقادرة على خدمة المواطن بكفاءة وعدالة، وهو الهدف الأسمى لأي إصلاح إداري حقيقي.

التعليقات مغلقة.