من «بغيت التكوين والفلوس» إلى «بغيت نخدم وننتج».. أي مستقبل نريد لشباب المغرب؟
"جريدة أصوات" بقلم الأستاذ "محمد عيدني"
يعيش المغرب اليوم على إيقاع تحولات اجتماعية واقتصادية متسارعة، تجعل قضية الشباب والعمل في صدارة الأسئلة التي تستحق النقاش الهادئ والصريح. فبين شاب يبحث عن فرصة حقيقية لبناء مستقبله، وآخر ينتظر وظيفة جاهزة، وثالث يطالب بتكوين مجاني وتعويض مالي في الوقت نفسه، تبرز حاجة ملحّة إلى إعادة ترتيب العلاقة بين التكوين والعمل والدعم.
لا يتعلق الأمر هنا بتوجيه اللوم إلى الشباب أو التقليل من معاناتهم. فالبطالة ليست اختيارا دائما، وكثير من الشباب يجدون أنفسهم أمام أبواب مغلقة رغم رغبتهم في العمل، كما أن غياب الشهادة أو ضعف المستوى الدراسي لا يعني بالضرورة غياب القدرة على التعلم والإنتاج. لكن الصراحة تقتضي أيضاً الاعتراف بأن المسؤولية مشتركة، وأن بناء المستقبل لا يمكن أن يقوم على الانتظار وحده.
المثير في النقاش الحالي هو بروز عقلية لدى بعض الشباب تختزل فرصة التكوين في سؤال واحد:
«هل سأحصل على المال؟».
وكأن التكوين لم يعد وسيلة لاكتساب حرفة ومهارة، وإنما أصبح في نظر البعض فرصة للحصول على تعويض مؤقت. وهنا يكمن الخطر الحقيقي.
فالدولة عندما تفتح أبواب التكوين أمام شاب لا يتوفر على مؤهلات مهنية، فإنها تمنحه مفتاحاً يمكن أن يفتح له باب العمل. وإذا رافق ذلك دعم مالي خلال فترة التكوين، فينبغي أن يُفهم باعتباره مساعدة على الاستمرار في المسار، وليس راتبا بديلا عن العمل.
التكوين ليس وظيفة، والدعم ليس غاية، والمهنة ليست عيبا.
هذه ثلاث حقائق يجب أن تعود إلى الواجهة.
فكيف نريد من شاب أن يصبح مستقلا وهو يرفض في البداية تعلم مهنة؟ وكيف نطالبه بأن يكون منتجا إذا كان يعتبر كل فرصة خارج مدينته غير مقبولة؟ وكيف نواجه البطالة إذا أصبح انتظار الوظيفة العمومية أو العمل القريب من المنزل هو الخيار الوحيد المقبول لدى البعض؟
إن سوق العمل لا ينتظر أحدا.
والمهن تتغير، والتكنولوجيا تتطور، والمقاولات تبحث عن الكفاءة والمهارة أكثر مما تبحث عن مجرد ورقة تحمل اسم شهادة. ولذلك فإن الشاب الذي يتعلم مهنة مطلوبة اليوم قد يكون أقرب إلى الاستقرار من شاب يمتلك شهادة لكنه لا يتوفر على أي مهارة عملية.
والأمر لا يتعلق فقط بالمهن الحديثة أو التكنولوجيا.
فالمغرب يحتاج إلى الكهربائي، والميكانيكي، والسباك، والنجار، والحرفي، والتقني، والعامل المتخصص، والممرض، والمبرمج، ومهنيي الصناعة والخدمات، وغيرهم كثير. هذه المهن ليست درجة ثانية في المجتمع، بل هي جزء أساسي من الاقتصاد الوطني.
لكن المسؤولية لا تقع على الشباب وحدهم.
لا يمكن أن نطالب شاباً بالاعتماد على نفسه ثم نتركه يواجه سوق العمل دون مواكبة. ولا يمكن أن نطالبه بالتكوين ثم نقدم له تخصصاً لا علاقة له بحاجيات المنطقة. كما لا يمكن أن نطلب من المقاولات تشغيل الشباب دون تشجيعها على توفير التدريب والتجربة المهنية.
المطلوب هو منظومة متكاملة: تكوين جيد، ومهارة حقيقية، وتدريب عملي، وربط مباشر بسوق العمل، ومواكبة بعد التخرج، ثم انتقال طبيعي من مرحلة الدعم إلى مرحلة الإنتاج.
أما الدعم المالي، فيجب أن يكون ذكياً ومشروطا بالمسار. الحضور، والانضباط، واكتساب المهارة، وإنجاز التدريب، والبحث الجدي عن العمل، كلها عناصر يجب أن تكون جزءا من أي سياسة ناجعة في هذا المجال.
فلا يعقل أن يتحول المال العمومي إلى وسيلة لتكريس الانتظار، بينما الهدف الأصلي هو صناعة الاستقلال.
إن أخطر ما يمكن أن يحدث هو أن نربي جيلاً على فكرة أن الدولة مطالبة دائما بأن تمنحه المال والتكوين والعمل، دون أن تكون هناك في المقابل إرادة حقيقية للتعلم والعمل وتحمل المسؤولية.
وفي المقابل، أخطر من ذلك أن نطالب الشباب بالإنتاج دون أن نوفر لهم شروط الإنتاج.
لهذا فإن المعادلة العادلة بسيطة وواضحة:
الدولة تفتح الباب، والمؤسسة توفر التكوين، والمقاولة تمنح الفرصة، والشاب يثبت قدرته بالعمل والإنتاج.
هكذا فقط يمكن أن يتحول التكوين من برنامج مؤقت إلى مسار حياة.
إن المغرب لا يحتاج إلى شباب ينتظرون «منحة» جديدة بقدر ما يحتاج إلى شباب ينتظرون فرصة لإثبات أنفسهم. لا يحتاج إلى شاب يسأل أولا: «كم سأحصل؟»، وإنما إلى شاب يسأل: «ماذا سأتعلم؟ وأين سأعمل؟ وكيف سأصبح مستقلا؟».
فاليد التي تتعلم مهنة تستطيع أن تبني مستقبلا، والعقل الذي يتعلم يستطيع أن يبتكر، والشاب الذي يملك الإرادة يستطيع أن يتحول من باحث عن عمل إلى صانع للعمل.
المغرب لا يريد جيلا ينتظر دوره أمام أبواب الدعم، بل جيلا يفتح أبواب المستقبل بيده.
وهنا تكمن قيمة التكوين الحقيقية: ليس في المال الذي يحصل عليه الشاب أثناءه، وإنما في المهارة التي يحملها معه بعد انتهائه، وفي العمل الذي يستطيع أن يقوم به، وفي القيمة التي يستطيع أن يضيفها إلى أسرته ومجتمعه ووطنه.

التعليقات مغلقة.