أول جريدة إلكترونية مغربية تتجدد على مدار الساعة

بين حلم الديمقراطية وواقع العنصرية.. معاناة مهندس مغربي في ألمانيا

جريدة أصوات

هل تحول الحلم باللجوء للعمل في دولة ذات تقاليد ديمقراطية، عاشت مرحلة التطرف والعنصرية. لتقرر لاحقا، القطع مع هذا الماضي واعتماد أسلوب تدبيري يتماشى مع المعايير الديمقراطية الكونية. فضلا عن حقوق الإنسان الكافلة للحقوق والحريات والكرامة. والمحطمة لجدار العنصرية كما تحطم جدار برلين. إلى دولة تخون تقاليدها الديمقراطية وتتحول لوكر أنماط عنصرية ماضية بلباس متجدد. وقائع نتتبع خطواتها من خلال تجربة معاناة شاب حط الرحال بـ”فرنسا” وحصل من هنالك على أعلى المراتب التقنية مهندس في “الهندسة الميكانيكية”. معتقدا أنه وصل إلى حدود يمكنه أن يفرض بالتقنية وجوده على الأرض بعيدا عن وطنه.
ضمن فناء الاحلام هذا، قرر التوجه إلى “ألمانيا”، لما كان يسمع عنها من قيم وتقديس للكرامة الإنسانية ومعاداة لكافة القيم الحاطة من قدر الإنسان، الضامنة للحقوق كما للحريات.
إلا أن هذا الحلم سرعان ما سيتحول، في مسار التجربة المهنية مع شركة “مرسيدس”، إلى أحلام وردية ستتبخر مع الواقع القائم. اتصالا بتنامي عقليات لا تزال تحتفظ بالصور النمطية لألمانيا النازية. محافظة على جدار العنصرية المقيت ومدافعة عن أركانه عبر تدمير الآخر ماديا ومعنويا ونفسيا وروحيا، وفق إفادته.
يقف “ياسين الفيلالي”، ذا القوام المتعب والألم يعتصر أركان جسده العليل بدنا ونفسا. يمتشق رحلة معاناته ليفصل عبر ثنايا الحكي المعزز بوثائق. عارضا رحلة معاناة ابتدأت من قلب “ألمانيا” وانتهت على فصول ذرامية، سيتسنى لنا الوقوف حول تفاصيلها لاحقا.
الرحلة تعود لعام 2018، مع اجتياز “الفيلالي” مباراة الولوج للعمل بتفوق، وهو ما اعتقده تيسيرا وفضلا من الله. وتعويضا عن جهد عطاء مضن، لكن خاتمه استقرار بالديار الألمانية بعد رحلة مع شركة “رونو” في “فرنسا”.
تتوقف عقارب الزمن مع لحظة التقائه بمسؤولين حولا الحلم إلى علامة استفهام وتعجب، والأوثق، أن أحدهما لم يدع من وسائل تحطيم “الفيلالي” سبيلا، بكل المفردات القدحية الحاملة للعنصرية والحقد على الأجنبي، وعلى المغرب والمغاربة. ضدا على القيم الألمانية ومبادئ حقوق الإنسان الضامنة لحقوق وكرامة البشر، وفق قوله.
فمنذ اللحظة الأولى من اجتيازه مباراة الولوج للعمل بتفوق، وعند التحاقه بالعمل. تفاجأ بسلوك عنصري صادر عن مسؤول بمؤسسة تتواجد بالتراب الألماني، تمثل رمز الصناعة الألمانية والعالمية في مجال السيارات. من شخص بدأ رحلة الترحيب باستغراب من تمكنه من الحصول على عمل، ضاربا عرض الحائط الشواهد التي بحوزته والتنويهات المشيدة بقوة وتفوق عطائه. الأمر قد يبدو عاديا، لو أنه صدر في حق ألماني لأدرجناه في خانة الحسد، “والعياد بالله”. إلا أن الأمر تجاوز الحسد كسلوك مرفوض، إلى استغراب حمل لمسة عنصرية مقيتة. لكونه علم أن “الفيلالي” مغربي، منحدر من القارة الافريقية. وهو ما دفعه لأخذ مسار من التضييق في مواجهته، بل والأخطر من ذلك، التهكم على أمة مغربية، شبابها روافد علم وإبداع. وقارة أفريقية تعتبر منبعا للخير والتعاضد واحترام الضيف والنزيل بكل المعايير السامية، وفق إفادته دوما.
هنا تبدأ الرحلة التي يعكسها “الفيلالي” الطامح للاستقرار وبناء أسرة بسيطة هادئة. قائمة على البناء والاحترام لا الهدم والتدمير. يحكي فصولها بمرارة وهو يرى أن الشمس التي كان يمني النفس بالعيش تحت فنائها، قد تحولت لخسوف أقوى حتى من الكسوف. حاجبة القيم المثلى للحرية والمساواة وتقدير الإنسان اعتبارا لإنسانيته الجامعة، بعيدا عن اللون أو الجنس كما غرسته النازية، في فترات ما من التاريخ، قطع معها الشعب الألماني بلا رجعة.
بداية العمل أدخلت “الفيلالي” في متاهات من التضييق والسخرية على المغرب والمغاربة والأفارقة، في نظرة عنصرية قاتلة للإنسان والحياة. ناقلة عنصريتها هاته حتى لشركة “رونو” الفرنسية. من خلال التهكم على اعتماد شركة “مرسيدس” على محرك “رونو”، ساخرة من صاحب الفكرة. غايتهم السامية، في ذلك، تحطيم إرادة “الفيلالي” وحلمه، لكونه سبق له أن عمل بهاته الشركة الفرنسية. في مسار عنصري إرهابي لا يمت بصلة للقيم الألمانية النبيلة التي قطعت مع كل شيء حاط بالكرامة وخاتمته تحطيمها لـ”جدار برلين”، وفق تعبيره.
يتنهد “الفيلالي” بعمق، وينفث ما بداخله من آثار جرح غائر لا يندمل، ومسار من المعاناة التراجيدية التي ألقت به في كل الأركان، محطمة كل ركن إرادة وطموح وقوة يكتنف فضاءه الداخلي. زفراته تتصاعد فتتهاوى معها رحلة الحلم السنين ليمتد سيناريو آخر بإخراج عنصري، فيحطم ما تبقى من جمال بداخله. متسائلا أهذا هو الحلم المرتجى، والعسل الذي كان يأمل أن يعيش في فنائه أجمل الأيام والشهور والسنين، وفق تصريحه.
عنصرية تجاوزت كل الحدود، فحتى في مباراة كرة قدم جمعت المنتخب المغربي بنظيره الجزائري. فاح من فمها الموبوء صدى العنصرية ضد المغاربة. من خلال كلمات جارحة، نقلت صورة المسار الذي سيلقاه في العمل. الموزع بين الكرامة وعزة الانتماء للوطن، والحفاظ على رغيف خبز يكون له السند. بل والأدهى من كل هذا، إيمانه وقناعته أن كل رد فعل ودفاع عن الحق والهوية والكرامة سيعني توقيع شهادة وفاة العمل في “ألمانيا”، وفق تعبيره دائما.
تبدأ الرحلة العنصرية الصعبة، حتى مع توقيت العمل في الشركة المحدد في عشر ساعات، حيث يطالب بالعمل قبل وقت بدايته وبعد وقت نهايته. كل ذلك في مسعى لتدمير ما تبقى من مخزون قوة بداخله، تبعا لتقريره.
تستمر الرحلة مع العنصرية، من خلال ما ينفث به فاه المسؤول من مصطلحات حاطة بكرامة وإنسانية الإفريقي، من خلال حصر وجوده في اللون الأسود واللون الأسمر، علما أن “الفيلالي” بحكم طبيعة “المغرب” لا تسري عليه هاته المعايير الطبيعية. لكن الاستفزاز العنصري أراد ان يجعل من الحرارة المرتفعة في إفريقيا عنوانا دسما لعنصرية مقيتة صادرة من قلب شركة تحمل العلامة التجارية العالمية، وتجعل من أفريقيا، كما العالم، سوقا لترويج منتجاتها، وفق تصريحه.
تتعدد أنماط العنصرية لتصل في أماكن أخرى، من خلال وصف “الفيلالي” بالغبي “المكلخ” على الرغم من اجتيازه مباراة الالتحاق بالشركة بتفوق. كما أنه يحمل تنويهات وشواهد تقدير على مهنيته العالية وقوة حضوره كمهندس، تبعا لإفادته.
أصبح فضاء العمل بـ”مرسيدس” مكانا لكافة أشكال العنصرية والإرهاب اتجاه “الفيلالي”. حيث يكفي أن يسقط في زلة، ولو بسيطة، لتنهال عليه السيوف من كل اتجاه بغاية تعريضه للفصل المبني على تقارير عنصرية. فضلا عن تحطيم كيانه النابض بالحياة من خلال تدمير إرادته. لتبدأ رحلة التقارير العنصرية المبنية على معطيات مغلوطة. مشككة في كل شيء يحمله. من خلال توجيه اتهامات “للفيلالي” بالكذب، والتشكيك حتى في شهادته المحصل عليها في مجال “الهندسة الصناعية/genie indistriel”، لا لشيء إلا لأن ثقافته فرنسية وانجليزية، وهو حديث العهد بألمانيا. إذن فمن الطبيعي، والحالة هاته، ألا يستوعب كل اللغة الألمانية. لكن القصد كان واضحا، مفاده التخلص منه بأي وسيلة ممكنة، انطلاقا من نظرة عنصرية رافضة للآخر، للأجنبي، ليس إلا، تبعا لقوله.
الرحلة العنصرية فصولها بعد، ومسلسل التضييق لن يتوقف، فحتى لحظة توجه “الفيلالي” لقضاء فترة تدريب في شركة أخرى، للتعرف على تقنية جديدة، ذات صلة بمحركات السيارات التي يتم تركيبها أوتوماتيكيا بواسطة الآلات. واشتغالهم على مشروع جديد ذا صلة بتوظيف التكنولوجيا الحديثة للإشعار بالأعطاب التي يمكن أن تصيب آلات التصنيع قبيل التوقف. كان يطلب منه بعد نهاية التدريب العودة للعمل والاشتغال بالشركة، في مسعى لإرهاقه ودفعه، إما لمغادرة شركة “مرسيدس”، أو إصداره ردة فعل يبنى عليها من أجل فصله من الشركة، أو دفعه للانتحار، من خلال تحطيم ما تبقى من إرادة التحمل لديه. وهي المعاناة التي عاصرها لمدة 17 شهرا، على الرغم من تأكيد المسؤول عن الشركة المستضيفة أنه لم يتفق على قضائه التدريب والعودة للعمل في آن واحد، وأن هاته الخطوة صادرة عن الشركة الأم، التي يعمل لديها. ما يبرز فضاعة العنصرية التي مورست في حقه، والإرهاب المادي والنفسي الذي تعرض له من خارج القانون الألماني والأوروبي والإنساني، تبعا لتقريره.
بعد أن فاضت الكأس من شدة المعاناة وقساوتها، ووصلت درجة التحمل لديه إلى منحدر عدم القدرة على الصبر على المزيد. بعد رحلة سيزيفية في حكم عنصري صادر في حقه، كما “سيزيف” الذي حكمت عليه الآلهة بالعذاب الأبدي، أي أن ينقل الصخرة إلى قمة جبل “أولمب”. وفي كل مرة تتدحرج الصخرة ليعاود المحاولة، فتتدحرج من جديد ويعود لحملها، لكن الفشل مصيره، وإلى اليوم. فالقوة “السيزيفية” توقفت لديه ليقرر مواجهة مصيره والتصدي لهذا السلوك، رغم علمه بأنه يخوض مخاطرة قد تعصف بكافة أحلامه، إذا لم يتبع وصايا “سيزيف” ويرضخ بالتالي لعذاب الآلهة الأبدي، وفق تعبيره دوما.
هكذا، فقد شكل 10 شهر غشت من عام 2018، لحظة مفصلية، حيث قرر فيها “الفيلالي” التصدي لهذا الظلم الممارس في حقه، وهاته العنصرية القاتلة للكيان، وهذا الإرهاب المحطم لأركان وجود الإنسان. من خلال مواجهة المسؤول بحقيقة عنصريته، كما هي معكوسة في المرآة، في واقع “نرسيس” الذي نظر في الماء فرأى صورته فوقع في غرامها. ومن لحظتها وهو يعيش عذاب الصورة وتقديسه لقوة جماله في نرجسية قاتلة تلغي الآخر وتحكم عليه بالموت، تبعا لتعبيره.
الصاعقة، أن هاته العنصرية تفجرت بغلاظة، فبدأ فاه المسؤول بالشركة بنفث بركانا من السب والقذف. واصفا صاحبنا بعديم التربية والكذاب وهلم جرا من أساليب اللغو وتحطيم الكيان، وفق تأكيده.
من قلة الحيلة وواقع الغربة، قرر “الفيلالي” تقديم شكاية عن هاته الممارسات العنصرية والإرهابية لمدرائه. كان من المنطقي، وفق القانون الألماني المناهض للعنصرية، أن يتم الاستماع للطرفين، وتقديم رد كتابي بعدها، أي بعد مرور أسبوعين من الإيداع. إلا أن ذلك لم يحصل. لتتشابك الخيوط ويتيه “الفيلالي” في رحلة التفسير من أجل فهم لا يأتي، ولو من باب انتظار “عودة غودو”. والأخطر في ذلك أنه قدم شكاية لإدارة شركة “مرسيدس” ليجدها وكرا أخطر للعنصرية، وهو ما سبق أن تداولته الصحافة الألمانية وعرت حقيقته حينها. فبمن سيستجير من ظلم كوى جوانحه، وعنصرية أتت على كل ما بقي فيه من إرادة صمود داخله، وإرهاب حاصره من كل الزوايا. ما أرداه قتيلا نفسيا وعقليا، ولا يزال يمخر عظامه في رحلة تدمير ممنهجة، حسب قوله.
رحلة الصمود تتقوى على الرغم من الانهيار، وتيهانه وسط عبدة الماضي الألماني النازي ومقدسيه، فحتى طلب وثيقة تثبت ما صدر عن هذا المسؤول من عنصرية، تم رفض تسليمها. بدلا من ذلك تم اقتراح حل المشكل وديا، ووعد بعدم تكرار تلك الفصول العنصرية، لكن هيهات هيهات، فليس في القنافذ قنفذ أملس. فالوثيقة لم تسلم، والجريمة لم تتوقف، بل أنها تحولت إلى إرهاب مضاعف. والخوف من توثيق الجريمة العنصرية الكاملة الأركان كان الديدن وراء الرفض، حفاظا على عنصرية زميلهم في إبط الماضي النازي، وعلى أرباح الشركة التي ستنهار إن تم إقرار ممارستها للعنصرية. لتعود بالتالي “حليمة” لمؤامرتها القديمة. فتكون النهاية الطرد من الشركة، بما يعنيه كل ذلك من إغلاق كل فرص العمل الممكنة في وجهه. لأن السؤال الذي سيطرح من قبل أي شركة سيتوجه “الفيلالي” للبحث عن عمل لديها، مفاده: لم تم طردك من هاته الشركة؟. أي أنه حكما إرهابيا عنصريا صدر في حقه، منهيا كل مقومات حلم جميل كان يتمنطق به، ويجعله رفيق درب في رحلة البناء التراجيدي المدمر، وفق توصيفه.
عقبها، قرر “الفيلالي” التوجه لـ”هيئة محاربة العنصرية” في “ألمانيا” علها تكون رفيق درب المذبوح من قبل “مرسيدس”، إلا أن المحاولة بقيت معلقة، لتجمع الذئاب حول جثة الضحية وتفردهم بها جماعة، حفاظا على العلامة التجارية للشركة على حساب الإنسان. دفاعا عن العنصرية تحت رداء الحق، المجتمع على الوجع والإيداء الجمعي. دعما لإرهاب مستشر في “ألمانيا”، وهو أخطر من أي إرهاب كوني. ليبقى السؤال الذي طرحته الهيئة، هل وقعت العنصرية؟ ومتى وقعت؟ ولماذا وقعت؟ وإن وقعت فمن اللازم حصوله على تعويض؟ معلقة في فناء مقصل “روما”، حيث يرتجي “الفيلالي” العدالة في مجمع ذئاب تجمعت على قتلها، كما فعلت بـ”جاليلي” وكل الأحلام، تبعا لإفادته.
يتوقف “الفيلالي” متنهدا راسما ملامح شيخوخة حلت قبل أوانها، وجسد منهك مرضا، وذهن مشتت، حكمت عليه آلهة الظلم في شركة “مرسيدس” بالعذاب الأبدي، كما “سيزيف”، وفق تعبيره. وللرحلة بقية مع محاولة القتل والمعاناة.

التعليقات مغلقة.