تثير مظاهر التسول المنتشرة في عدد من الشوارع والساحات والأماكن العمومية بمدينة فاس نقاشاً متزايداً بين المواطنين بشأن سبل التعامل مع هذه الظاهرة، في ظل مطالب بتعزيز تدخلات السلطات المحلية والمصالح الاجتماعية المختصة، وإيجاد حلول توازن بين الحفاظ على النظام العام وصون كرامة الأشخاص الذين يعيشون أوضاعاً اجتماعية صعبة.
وتعرف بعض الفضاءات العمومية بالعاصمة العلمية للمملكة حضوراً متكرراً لأشخاص يطلبون المساعدة، من بينهم أطفال وأفراد في وضعيات هشاشة، وهو ما يطرح تساؤلات حول الظروف الاجتماعية والاقتصادية التي تدفع إلى التسول، ومدى نجاعة التدابير المعتمدة للحد من انتشاره ومعالجة أسبابه.
تشخيص ميداني لفهم أسباب الظاهرة
أمام هذه المشاهد، يدعو عدد من المواطنين إلى تدخل الجهات المختصة من أجل الوقوف على حقيقة الأوضاع في الأماكن التي تعرف تجمعات متكررة للمتسولين، وتحديد طبيعة الحالات المسجلة، بما يسمح بالتمييز بين الأشخاص الذين يحتاجون فعلاً إلى الدعم الاجتماعي، والحالات التي قد تكون مرتبطة بممارسات مخالفة للقانون.
ويظل إجراء تحريات ميدانية دقيقة أمراً ضرورياً لفهم أبعاد الظاهرة، بعيداً عن الأحكام المسبقة أو التعميم، مع اتخاذ الإجراءات القانونية المناسبة كلما ثبت وجود استغلال أو تجاوزات تستوجب التدخل.
كما أن معالجة التسول لا يمكن أن تقتصر على إبعاد الأشخاص من بعض الشوارع والساحات، بل تستدعي البحث في العوامل التي تسهم في استمراره، وفي مقدمتها الفقر والهشاشة الاجتماعية وصعوبة الولوج إلى فرص العيش الكريم، إلى جانب التحقق من أي ممارسات منظمة قد تستغل حاجة الأفراد أو تعاطف المواطنين.
حماية الأطفال أولوية لا تحتمل التأجيل
تكتسي حالات الأطفال الموجودين في الشوارع أهمية خاصة، بالنظر إلى المخاطر التي قد تهدد سلامتهم، وما قد يترتب عن وجودهم لساعات طويلة في الفضاءات العمومية من تأثيرات على حقهم في التعليم والحماية والرعاية.
ويستدعي هذا الوضع تعزيز تدخل المصالح الاجتماعية المختصة والجهات المعنية بحماية الطفولة، من أجل تحديد الظروف المحيطة بكل حالة، وتوفير المواكبة اللازمة للأطفال الموجودين في وضعيات صعبة، والتحقق من أي شبهات تتعلق باستغلالهم أو دفعهم إلى التسول.
كما تبرز الحاجة إلى اعتماد آليات للتتبع الاجتماعي تضمن عدم الاكتفاء بالتدخلات الظرفية، بل تتيح مواكبة الحالات المعنية والبحث عن حلول مناسبة ومستدامة، تحفظ مصلحة الطفل الفضلى وتصون حقوقه الأساسية.
مقاربة متوازنة تحترم الكرامة وتطبق القانون
إن التعامل مع ظاهرة التسول يقتضي التمييز بين الحالات الاجتماعية التي تستوجب التضامن والمساعدة، وتلك التي قد تنطوي على استغلال أو أفعال مخالفة للقانون. ويستوجب هذا التمييز اعتماد معايير موضوعية في التدخل، مع احترام كرامة جميع الأشخاص وعدم ربط الظاهرة بجنسية معينة أو تعميم المسؤولية على فئة بعينها.
وفي هذا السياق، فإن وجود أشخاص من خلفيات وجنسيات مختلفة ضمن الحالات المسجلة لا ينبغي أن يكون أساساً للتمييز أو إطلاق الأحكام، بل يتعين أن يخضع التعامل مع كل حالة للتحقق من ظروفها، واحترام القانون والحقوق الإنسانية.
وتبقى المقاربة الأكثر نجاعة هي التي تجمع بين تدخل السلطات المختصة، والمواكبة الاجتماعية، وتطبيق القانون على كل من تثبت مسؤوليته عن أي استغلال أو مخالفة، بما يضمن حماية الأشخاص في وضعية هشاشة دون التساهل مع الممارسات غير القانونية.
تنسيق مؤسساتي لمعالجة الأسباب من جذورها
لا تقع مسؤولية معالجة الظاهرة على الأجهزة الأمنية وحدها، بل تتطلب تنسيقاً بين السلطات المحلية والجماعة الترابية والمصالح الاجتماعية والجهات المعنية بحماية الطفولة، إلى جانب المؤسسات التي تضطلع بأدوار في مجال الرعاية والإدماج الاجتماعي.
ويُفترض أن يتيح هذا التنسيق تشخيص الحالات ميدانياً، وتحديد احتياجات الأشخاص المعنيين، وتوجيه المستحقين نحو برامج الدعم والمواكبة، مع تعزيز المراقبة في الأماكن التي تتكرر فيها الممارسات المثيرة للانتباه.
كما أن التدخلات الأمنية أو الحملات الميدانية، مهما كانت أهميتها في تنظيم الفضاءات العمومية، تظل محدودة الأثر إذا لم تواكبها برامج اجتماعية فعالة تستهدف أسباب الهشاشة وتوفر بدائل واقعية للأشخاص الذين يحتاجون إلى الرعاية والمساعدة.
صورة فاس الحضارية مسؤولية مشتركة
وباعتبار فاس مدينة ذات مكانة تاريخية وعلمية وحضارية بارزة، فإن العناية بفضاءاتها العمومية وتحسين ظروف استقبال المواطنين والزوار يظلان من الأولويات المرتبطة بتدبير الشأن المحلي.
غير أن الحفاظ على جمالية المدينة وتنظيم شوارعها لا ينبغي أن يتحول إلى مبرر للمساس بحقوق الأشخاص الموجودين في وضعيات صعبة، بل يتعين أن يتم في إطار مقاربة متوازنة تجمع بين احترام القانون، وحماية الفضاءات المشتركة، وصون الكرامة الإنسانية.
ومن هذا المنطلق، تبرز أهمية اعتماد حلول مستدامة تعالج الظاهرة من جذورها، وتدعم الفئات الهشة، وتضمن في الوقت نفسه حق المواطنين في الاستفادة من فضاءات عمومية منظمة وآمنة.
مطالب بتوضيح التدابير المتخذة
في ظل استمرار التساؤلات بشأن انتشار التسول في بعض فضاءات المدينة، تتجه الأنظار إلى السلطات المحلية والمصالح الأمنية والاجتماعية المختصة لتوضيح التدابير المتخذة، وتعزيز الحضور الميداني، والتحقق من الحالات التي تثير شبهات الاستغلال، مع إيلاء حماية الأطفال العناية اللازمة.
كما يظل التواصل مع المواطنين وتوضيح طبيعة الإجراءات المعتمدة عاملاً مهماً في تعزيز الثقة، وتجنب انتشار الأحكام والتصورات غير المستندة إلى معطيات دقيقة.
ويطرح هذا الوضع أسئلة بشأن مدى فعالية التنسيق بين المتدخلين، وحجم البرامج الاجتماعية المتاحة، وقدرة التدخلات الحالية على الحد من تكرار الظاهرة، خصوصاً في الأماكن التي تعرف حضوراً مستمراً للأشخاص في وضعيات هشاشة.
وفي المحصلة، تحتاج فاس إلى تحرك جاد ومتواصل يتجاوز الحلول المؤقتة والحملات العابرة، ويجمع بين إنفاذ القانون والحماية الاجتماعية، بما يضمن كرامة الأشخاص المحتاجين، ويصون حقوق الأطفال، ويحافظ على النظام العام والمكانة الحضارية للعاصمة العلمية للمملكة.
التعليقات مغلقة.