يعيش قطاع البناء والأشغال العمومية في المغرب أزمة حادة بسبب النقص الكبير في اليد العاملة المؤهلة، خاصة في صفوف الحرفيين المتخصصين، أو ما يعرف محليًا بـ”الحرايفية” و”المعلمية”. هذه الأزمة، التي تفاقمت على مدى سنوات، باتت تهدد آجال تسليم المشاريع وجودتها، كما تزيد من الضغوط المالية على الشركات وتضع مستقبل القطاع على المحك.
تأثيرات متعددة: من التأخير إلى ارتفاع التكاليف
لم يعد تأثير هذه الأزمة يقتصر على صعوبة إيجاد عمالة ماهرة فحسب، بل امتد ليشمل ارتفاعًا كبيرًا في تكاليف التشغيل وضعفًا في جودة التنفيذ. وكشف أحد مقاولي البناء أن الشركات أصبحت مضطرة إلى توظيف عمال غير مؤهلين، غالبًا من دول جنوب الصحراء، وتدريبهم داخل الورشات، مما يزيد من الأعباء المالية ويُعرض المشاريع لمخاطر التأخير.
وأضاف المتحدث أن “العمال غير المدربين يحتاجون إلى وقت أطول للتأقلم مع متطلبات العمل، كما أن أخطاءهم الفنية تؤثر سلبًا على جودة البناء، مما يزيد من تكاليف التصحيح والمعايرة”.
أسباب الأزمة: بين العزوف الاجتماعي وضعف التكوين
يرجع المهنيون أسباب هذه الأزمة إلى عوامل متشابكة، يأتي في مقدمتها عزوف الشباب المغربي عن الالتحاق بمهن البناء بسبب الصورة النمطية السلبية المرتبطة بها. فظروف العمل الشاقة، والأجور المحدودة مقارنة بالمجهود البدني المطلوب، جعلت الكثير من العمال يفضلون البحث عن فرص في قطاعات أخرى أو حتى الهجرة إلى الخارج.
كما يشير المقاولون إلى ضعف مخرجات مراكز التكوين المهني، التي لا توفر العدد الكافي من الخريجين المؤهلين لسد حاجات سوق العمل. وأكدوا أن البرامج التدريبية غالبًا ما تفتقر إلى التخصصات الدقيقة التي يحتاجها القطاع، مما يضطر الشركات إلى استثمار موارد إضافية في تأهيل العمال بعد توظيفهم.
وجهة نظر العمال: أجور لا تواكب المصاريف
من جهة أخرى، يرى العاملون في الميدان أن القطاع لم يعد مجديًا من الناحية المادية. يقول محمد، حرفي في مجال البناء منذ أكثر من عشر سنوات: “الخدمة في الورش صعبة، والساعات طويلة، لكن الأجور لا تكفي حتى لتغطية مصاريف الحياة اليومية. الكثير من الزملاء يفكرون في تغيير المجال أو فتح مشاريع خاصة بهم”.
الحلول المطروحة: بين تحفيز الشباب وإصلاح التكوين
للتخفيف من حدة الأزمة، يقترح الخبراء عدة حلول، منها تحسين ظروف العمل عبر رفع الأجور وتوفير ضمانات اجتماعية أفضل لجذب الشباب وإعادة الاعتبار لمهن البناء من خلال حملات توعية تُبرز فرص الشغل والاستقرار في القطاع وتطوير برامج التكوين المهني لتواكب حاجات السوق، مع التركيز على التخصصات الدقيقة تشجيع التكوين المستمر داخل الورشات لرفع كفاءة العمال غير المؤهلين.
أزمة العمالة في قطاع البناء المغربي ليست مشكلة عابرة، بل هي نتاج تراكمات سنوات من الإهمال النسبي لظروف العمال وضعف التكوين. وإذا لم يتم التعامل معها بجدية، فإن تداعياتها قد تمتد لتشمل تراجعًا في جودة البنى التحتية وتباطؤًا في وتيرة المشاريع الحيوية، مما ينعكس سلبًا على الاقتصاد الوطني ككل.

التعليقات مغلقة.