أول جريدة إلكترونية مغربية تتجدد على مدار الساعة

أسفي المنكوب حين فضح النسيان ما لم تفعله الأمطار

جريدة أصوات

لم تكن التساقطات المطرية الأخيرة التي شهدتها مدينة آسفي استثنائية من حيث الكمية، إذ لم تتجاوز 37 ملم، لكنها تحولت إلى فاجعة إنسانية وعمرانية كشفت عمق الاختلالات التي تعانيها المدينة منذ سنوات. خسائر في الأرواح، وأضرار جسيمة في الممتلكات، وأرزاق ضائعة، ومشاهد صادمة أعادت طرح سؤال جوهري: هل ما حدث سببه الأمطار أم الإهمال المتراكم؟

الوقائع تؤكد أن الأمطار لم تكن سوى عامل كاشف لوضع هش، لا عاملًا مسببًا للأزمة. فمدينة بحجم آسفي وتاريخها، كان يفترض أن تتوفر على بنية تحتية قادرة على استيعاب تساقطات عادية، غير أن قنوات الصرف الصحي لم تكن مؤهلة، ووادي “الشعبة” لم يكن مهيأ لاستقبال مياه الأمطار، ما حوّل نعمة الطبيعة إلى نقمة.

ما وقع في آسفي ليس غضبًا للطبيعة بقدر ما هو نتيجة مباشرة لسنوات من النسيان والتهميش. فالمدينة غائبة عن أولويات الحكومة، ولا تحظى بمكانة واضحة في برامج التنمية أو في أجندات القطاعات الوزارية. كما أن المنتخبين المحليين والأعيان فشلوا في الدفاع عن قضاياها، ولم ينجحوا في إيصال صوتها إلى مراكز القرار.

هذا الغياب المؤسساتي جعل المدينة تواجه مصيرها وحدها، دون حماية حقيقية أو رؤية استباقية. فالمجلس الجماعي والسلطات المحلية قصّرت في أداء مهامها، وترك الإهمال فراغًا قاتلًا كانت نتائجه وفيات، وجرحى، وصدمة نفسية جماعية، إلى جانب دمار طال منازل ومصادر عيش.

المفارقة المؤلمة أن آسفي ليست مدينة عابرة في تاريخ المغرب. فهي مدينة عريقة، شكلت عبر قرون محطة أساسية لحجاج دول الساحل وشمال إفريقيا في طريقهم إلى الديار المقدسة، واحتضنت رموزًا دينية وتاريخية بارزة، من بينها ضريح سيدي بومحمد صالح، الذي ظل شاهدًا على مكانة المدينة الروحية والحضارية.

ورغم هذا الإرث الغني، تعيش آسفي اليوم وضعًا لا يليق بتاريخها ولا بأدوارها السابقة. فالمدينة التي كانت فضاءً للسلام والأمان أصبحت رمزًا للإهمال، والمدينة التي ساهمت في ربط شمال إفريقيا بالمشرق باتت خارج حسابات التنمية.

أمام هذه المأساة، لا يملك سكان آسفي سوى التمسك بالأمل، والترحم على الضحايا، وانتظار صحوة ضمير جماعية تعيد للمدينة اعتبارها. فالكارثة، رغم قسوتها، قد تشكل لحظة وعي تدفع نحو تصحيح المسار، شريطة توفر الإرادة السياسية، وحضور العقل والحكمة، واستحضار قيمة المدينة التاريخية والإنسانية.

إن ما تحتاجه آسفي اليوم ليس الشفقة، بل الاعتراف بحقها في التنمية، والقطع مع منطق النسيان، حتى تتحول من مدينة منكوبة إلى مدينة تنظر إلى المستقبل بثقة وتفاؤل، مستعيدةً إشعاعها ومكانتها التي تستحقها.

التعليقات مغلقة.