لم تكن الفيضانات التي عرفتها مدينة القصر الكبير مجرد كارثة طبيعية ذات أضرار مادية فحسب، بل كانت، في العمق، صدمة نفسية جماعية مست الإحساس بالأمان، والاستقرار، والسيطرة على الحياة اليومية لدى الساكنة. ومع ذلك، يظل السؤال الجوهري مطروحا: أين كان التدخل النفسي حين كانت الحاجة إليه في أوجها؟
إن فترات الكوارث والأزمات الجماعية اللحظات الأكثر حساسية للتدخل النفسي، لا بعد انقضاء الحدث، بل أثناءه وفي ساعاته وأيامه الأولى. فالخوف، والهلع، وفقدان الممتلكات، والصدمة المفاجئة، كلها عوامل تنتج ما يعرف بالضغط النفسي الحاد، والذي قد يتحول، في غياب المواكبة، إلى اضطرابات نفسية طويلة الأمد، خاصة لدى الأطفال، والنساء، وكبار السن.
غير أن الواقع الميداني بالقصر الكبير أبان عن مفارقة مؤلمة: في الوقت الذي تحركت فيه المبادرات التضامنية لإنقاذ الأرواح وتأمين الحاجيات الأساسية، ظل البعد النفسي غائبا أو مؤجلا بدعوى انتظار استقرار الأوضاع. وهنا يبرز الخلل المفاهيمي في تدبير الأزمات؛ إذ ينظر إلى التدخل النفسي باعتباره نشاطا ثانويا يأتي بعد نهاية الخطر، في حين أن الأدبيات العلمية تؤكد أن التدخل النفسي المبكر هو جزء لا يتجزأ من الاستجابة الطارئة.
إن تأجيل التدخل النفسي إلى ما بعد الأزمة يعني عمليا ترك الضحايا يواجهون الصدمة وحدهم في أكثر لحظات الهشاشة. فالاستقرار الجوي لا يعني بالضرورة استقرارا نفسيا، بل غالبا ما تكون الصدمة في ذروتها حين تهدأ الأمطار وتظهر الخسائر ويتجسد الإحساس بالفقد.
ويزداد هذا الإشكال حدة حين نعلم أن المغرب يتوفر على كفاءات نفسية مؤهلة، وعلى جمعيات مهنية ومدنية أبدت استعدادها للتدخل التطوعي والمنظم، إلا أن غياب تصور مؤسساتي واضح لإدماج الأخصائيين النفسيين ضمن خلايا تدبير الكوارث يجعل حضورهم مرهونا بالترخيص والظرفية بدل الحاجة العلمية والإنسانية.
إن فيضانات القصر الكبير ليست فقط حدثا طارئا، بل هي مرآة لخلل بنيوي في فهم الصحة النفسية داخل السياسات العمومية للأزمات. فالدعم النفسي ليس ترفا، ولا مرحلة لاحقة، بل هو تدخل وقائي، إنساني، واستثماري في استقرار المجتمع على المدى المتوسط والبعيد.
من هنا، يصبح من الضروري إعادة طرح سؤال موقع الأخصائي النفسي في منظومة تدبير الكوارث، والانتقال من منطق رد الفعل إلى منطق الاستباق، حيث ينظر إلى الصحة النفسية باعتبارها جزءا من الأمن الإنساني، لا مجرد خدمة مؤجلة لما بعد انقضاء الخطر.

التعليقات مغلقة.