أول جريدة إلكترونية مغربية تتجدد على مدار الساعة

الصحافة في المغرب… من رسالة نبيلة إلى فوضى مفتوحة: هل حان وقت إعادة التنظيم؟

متابعة-المصطفى الوداي /مراكش

يشهد قطاع الصحافة في المغرب تحولات عميقة ومقلقة، دفعت عدداً من المهنيين والمتتبعين إلى التحذير من تراجع خطير في مستوى الممارسة الإعلامية، في ظل ما يعتبرونه “فوضى” باتت تهدد صورة المهنة وثقة الجمهور فيها.

هذه التحولات تطرح بإلحاح سؤال تنظيم القطاع وإعادة الاعتبار لأخلاقياته، خاصة مع تنامي ظاهرة الدخلاء على المجال.
في الأصل، ظلت الصحافة تُصنّف كسلطة رابعة تضطلع بأدوار حيوية، من مراقبة تدبير الشأن العام، إلى كشف الاختلالات وفضح الفساد، وصولاً إلى تنوير الرأي العام. وكان الولوج إلى هذه المهنة يتم عبر مسارات تكوين أكاديمي ومهني، سواء داخل معاهد الإعلام أو من خلال التدرج داخل المؤسسات الصحفية التي كانت تُعتبر مدارس حقيقية لصقل الكفاءات.
غير أن تحرير قطاع الإعلام، رغم ما أتاحه من تعددية في المنابر وتوسيع هامش التعبير، أفرز في المقابل واقعاً جديداً اتسم بتكاثر غير مسبوق للمواقع الإلكترونية والمنصات الرقمية. هذا التوسع، الذي لم يواكبه تأطير قانوني صارم، فتح الباب أمام ممارسات بعيدة عن المهنية، حيث تحولت بعض المنابر إلى أدوات للبحث عن الإثارة والربح السريع عبر الإعلانات، بدل الالتزام بأدوارها التنويرية.
ومع مرور الوقت، برزت ظاهرة اقتحام أشخاص لا يتوفرون على الحد الأدنى من التكوين أو الثقافة الإعلامية لميدان الصحافة، مستفيدين من سهولة الولوج التي يتيحها الفضاء الرقمي.

وأصبح حمل هاتف ذكي كافياً لدى البعض لادعاء صفة “صحافي”، عبر بث مباشر لأنشطة أو حوادث دون احترام قواعد التحقق أو أخلاقيات النشر.
هذا الوضع لم ينعكس فقط على جودة المحتوى الإعلامي، بل ساهم أيضاً في تآكل ثقة المواطنين في الصحافة، ووضع الصحافيين المهنيين في موقع صعب، حيث أصبحوا يُصنّفون في نفس الخانة مع ممارسات تسيء للمهنة ولا تمت لها بصلة.
في هذا السياق، يتزايد النقاش حول ضرورة إعادة هيكلة القطاع على أسس واضحة، خاصة بعد الجدل الذي رافق مشروع القانون الذي تقدم به وزير الشباب والثقافة والتواصل المهدي بنسعيد، والذي أثار نقاشاً واسعاً، خصوصاً بعد رفض بعض مقتضياته من طرف المحكمة الدستورية.
ويؤكد مهنيون أن المرحلة تقتضي وضع شروط موضوعية وشفافة لولوج مهنة الصحافة، ترتكز على التكوين والكفاءة والالتزام بأخلاقيات المهنة، مع مراعاة وضعية المراسلين والمتعاونين الذين يتوفرون على مؤهلات جامعية، حتى وإن لم يكونوا منخرطين في أنظمة اجتماعية معينة.
كما يُطرح ملف دعم المقاولات الصحفية كأحد أبرز التحديات، حيث يُطالب بربط الاستفادة من المال العام باحترام معايير المهنية والجودة، لتفادي تحول الدعم إلى أداة لتغذية منابر تشتغل بمنطق الإثارة أو الابتزاز.
وتبرز في هذا الإطار حالات مثيرة للجدل، من بينها واقعة شهدتها مدينة مراكش، حيث أثار منح اعتماد إعلامي لشخص يفتقر لأبسط قواعد العمل الصحفي استياءً واسعاً، واعتُبر نموذجاً لحجم الانفلات الذي يعرفه القطاع.
أمام هذا الواقع، يبدو أن تنظيم مهنة الصحافة لم يعد خياراً مؤجلاً، بل ضرورة ملحة لحماية المهنة من الانزلاق نحو الفوضى، وصون مكانة الصحافي المهني، واستعادة ثقة الجمهور في الإعلام كسلطة رابعة، لا كـ“دكان” مفتوح أمام كل من يبحث عن الربح السريع أو الشهرة على حساب الحقيقة.

التعليقات مغلقة.